|
الأذان للمنفرد
الأذان للمنفرد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآلاه.
أما بعد:
فقد اتفق الفقهاء-في الجملة-على مشروعيّة الأذان والإقامة، للمنفرد والجماعة ممن
صلى في المصر
في غير المسجد كمن صلّى في بيته, أو في المؤسسات التي تقام فيها الصلاة، والإقامة
آكد من الأذان في ذلك.
واختلفوا في وجوبهما على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أنهما لا يجبان، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
أدلة أصحاب هذا القول: استدلّ الجمهور على عدم وجوب الأذان والإقامة، بما يلي:
أولاً من السنة:
1-
حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- في الأعرابي المسيء صلاته حيث قال له النبي-صلى الله
عليه وسلم-:" إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر
معك من القرآن..."
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي-صلى الله
عليه وسلم-أمر الأعرابي بأركان الصلاة وواجباتها، ولم يذكر معها الأذان والإقامة،
فدلّ على عدم وجوبهم.
ثانياً من الآثار:
1-
ما روي أن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-صلّى بعلقمة، والأسود بغير أذان ولا
إقامة، وقال : يجزئنا أذان الحيّ وإقامتهم.
ووجه الدلالة في الأثر إشارة إلى أن أذان
الحيّ وإقامتهم وقع لكل واحد من أهل الحيّ.
2-
ما روي عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-أنه قال: إذا كنت في قرية يؤذّن فيه
ويقام أجزأك ذلك.
3-
ما روي عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-أنه كان لا يقيم بأرض تقام فيها الصلاة".
ثالثاً من المعقول:
1-
أن الأذان لإعلام الناس حتى يجتمعوا، وذلك غير موجود هنا، فأشبه قوله:"الصلاة
جامعة".
2-
أن مقصود الأذان حصل بأذان غيره.
قال الشيخ العثيمين-رحمه الله-وهو يتكلم على شروط إقامة الأذان، فذكر منها الجماعة،
قال: "بخلاف المنفرد فإنه سنة في حقه؛ لأنه ورد فيمن يرعى غنمه ويؤذن للصلاة أن
الله يغفر له ويثيبه على ذلك, والحديث عن عقبة بن عامر –رضي الله عنه-قال: سمعت
رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول:يعجب ربك من راعي غنم
على رأس الشَّظِيَّة
للجبل يؤذن للصلاة ويصلي، فيقول الله:
انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنةوهذا
يدل على استحباب الأذان للمنفرد وليس بواجب.
وقال الشوكاني-رحمه الله تعالى-بعد أن ذكر حديث عقبة بن عامر، وغيره من الأحاديث
التي تدل على فضل رفع الأذان :"وفيه دليل على أن الأذان يسن للمنفرد وإن كان بحيث
لا يسمعه أحد".
القول الثاني:
أنهما يجبان وهو رواية عند الحنابلة.
أدلة أصحاب القول: استدلّ من قال بوجوب الأذان والإقامة، بما يلي:
أولاً من السنة:
1-
حديث مالك بن الحويرث-رضي الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال لهما:...
فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم.
ووجه الدلالة من الحديث أنه-صلى الله عليه
وسلم- أمر بالأذان، والأمر يقتضي الوجوب.
ولا جماعة معهم.
2-
حديث أبي الدرداء-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول:ما
من ثلاثة في قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان....
ووجه الدلالة: أن الترك الذي هو نوع من
استحواذ الشيطان يجب تجنّبه.
ثانياً من الآثار:
عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع عليّ بن الحسين على جابر بن عبد الله فحضرت
الصلاة، فأذَّن وأقام.
القول الثالث:
أن الإقامة تجب دون الأذان، وهو رأي لبعض المالكية.
أدلة أصحاب هذا القول: استدلّ من يرى وجوب الإقامة دون الأذان، بما يلي:
أولاً من السنة:
حديث الرجل المسيء صلاته، فقد جاء في رواية:... فتوضأ
كما أمرك الله ثم تشهد فأقم ثم كبر....
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي-صلى الله
عليه وسلم- أمره بالإقامة ضمن أركان وواجبات وشروط الصلاة، ولم يذكر الأذان، فدلّ
على وجوبها دون الأذان.
الراجح-
والله أعلم-هو القول الأوّل القائل بعدم وجوب الأذان والإقامة للمنفرد, ولمن صلّى
في المصر في غير المسجد، وذلك لقوة الأدلة والآثار الثابتة، ودلالة المعقول الذي
استدلّ به، وسلامتها من المعارضة.
اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل، والله الموفق إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين،،،
|