في كل كبد رطبة أجر

(في كل كبد رطبة أجر)

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد جاءت النصوص الشرعية بالحث على الإحسان إلى الحيوان، وبينت أن الرفق بالحيوان من العبادات التي يؤجر عليها فاعلها من المسلمين، وهي من أقوى أسباب المغفرة؛ ومن هذه النصوص ما جاء في البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجراً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر)..

 

أحاديث مشابهة في المعنى:

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن امرأة بغيا رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها-أي استقت له بخفها- فغفر لها).

وعن عبد الله بن عمرو أن رجلاً جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أنزع في حوضي حتى إذا ملأته لأبلي ورد عليّ البعير لغيري فسقيته، فهل في ذلك من أجر؟، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن في كل ذات كبد أجرا)1.

وعن محمود بن الربيع أن سُراقة بن جعثم قال: يا رسول إن الضالة ترد على حوضي فهل لي فيها من أجر إن سقيتها؟ قال: (أسقها، فإن في كل ذات كبد حرَّاء أجراً)2.

معاني مفردات الحديث الأول:

قوله: (يلهث) اللهث: هو ارتفاع النفس من الإعياء، وقال ابن التين: لهث الكلب أخرج لسانه من العطش وكذلك الطائر ولهث الرجل إذا أعيا.

قوله: (يأكل الثرى) أي يكدم بفمه الأرض الندية.

قوله: (بلغ هذا مثل) أي بلغ مبلغا مثل الذي بلغ بي.

قوله: (فملأ خفه) في رواية بن حبان: (فنزع أحد خفيه).

قوله: (ثم أمسكه) أي أحد خفيه الذي فيه الماء وإنما أحتاج إلى ذلك لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو يشعر بأن الصعود منها كان عسرا.

قوله: (فسقى الكلب) زاد عبد الله بن دينار عن أبي صالح حتى أرواه أي جعله ريانا.

قوله: (فشكر الله له) أي أثنى عليه أو قبل عمله أو جازاه بفعله.

قال القرطبي معنى قوله: (فشكر الله له) أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته". ووقع في رواية عبد الله بن دينار بدل: (فغفر له) (فأدخله الجنة).

قوله: (وإن لنا) أي في سقي البهائم أو الإحسان إلى البهائم أجرا..

قوله: (في كل كبد رطبة أجر) معناه في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه أجر وسمى الحي ذا كبد رطبة؛ لأن الميت يجف جسمه وكبده3.

المعنى الإجمـالي:

اعلم بأنك إذا تصدقت بقليل أو كثير تريد به وجه الله على مستحق أو غير مستحق بأن أجرك في ذلك على الله، وإن لك في كل كبد رطبة صدقة، ولا تحقرن من الخير شيئاً، فرب لقمة في جوف جائع أو شربة ماء يبل بها الظمآن غلته، لا تكلفك عسراً، ولا تضر بك في مطعمك ومشربك، وأنت لا تلقي لها بالاً تقع منك عند الله بمكان، يدفع بها عنك البلاء، ويجيزك بها من سوء القضاء، ويجعلها لك حجاباً وستراً من النار، وأفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وإن الله ليربي لأحدكم الكسرة يتصدق بها حتى تكون أعظم من أحد.

وانظر إلى رجل رحم الكلب، ورق له، وعلم أنه قد أصابه من الظمأ ما جعله يلهث ويمص الثرى، فنزل البئر وملأ خفه ماءً، ثم سقى الكلب العاجز عن النزول في البئر والوصول إلى مائها، كيف شكر الله له صنيعه، وغفر له ذنبه، وأجاره من النار مكافأة له على رحمة الكلب، وإجارته من الموت وحرارة الظمأ، وقد عجب الصحابة رضي الله عنهم من هذا، وسأله عن الإحسان إلى البهائم، وهل يكون فيه أجراً؟ فأخبرهم نبي الرحمة، وصاحب الشفقة بخلق الله: أن لهم في كل كبد رطبة أجراً، كما أنه عليهم إذا أساءوا إلى البهائم ومنعوها حقها الإثم والوزر العظيم4.

مسألة: أعمال المشركين الخيرية في الدنيا:

لا شك أن هذا الحديث وما فيه من مغفرة لذنب من أحسن إلى حيوان يتعلق بالمسلمين، والرجل ممن كان قبلنا وكذلك المرأة الذين سقوا الكلب الذي يأكل الثرى من العطش إنما كانوا مسلمين من أتباع الأنبياء السابقين. فإن الله تعالى يغفر ذنب من عصاه من المسلمين، فأما الكافر فلا يغفر الله له ما دام على شركه، إلا أن يتوب من الشرك فإن الله يغفر له الذنوب جميعاً، ولهذا فإن الكافر والمشرك لو عمل أعمالاً خيرية لن يقبلها الله منه ما دام على شركه وكفره، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} (103-105) سورة الكهف.

وقال الله تعالى في ذلك: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (48) سورة النساء.

فلا يجوز الاستدلال بهذا على ما يفعله الكفار اليوم من الجمعيات الخيرية والهيئات الإغاثية على أن الله راض عنهم، وأن الله يتقبل منهم، بل هي أعمال يجعلها الله هباء منثوراً، وهي إنما تنفعهم في الدنيا من حيث مدح الناس وثنائهم أو مكافآت يحصلون عليها نتيجة لتلك الأعمال، فأما الأجر والثواب من الله تعالى في الآخرة فليس إلا لمن كان مسلماً، بدليل قوله تعالى عن الكفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} (23) سورة الفرقان ، فأثبت لهم وجود العمل في الدنيا والجهد فيها، لكن بغير الإسلام والإيمان يصبح ذلك العمل هباء منثوراً.. وقد دلت الآيات والأحاديث الكثيرة على ذلك. وعليه إجماع المسلمين.

ما يدل عليه الحديث:

1.    جواز السفر منفردا وبغير زاد ومحل ذلك في شرعنا ما إذا لم يخف على نفسه الهلاك.

2.    الحث على الإحسان إلى الناس لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرا.

3.  استدل به على جواز صدقة التطوع على المشركين، وينبغي أن يكون محله ما إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحق، وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة فالآدمي أحق5.

4.  الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو ما لا يؤمر بقتله فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضا بإطعامه وغيره سواء كان مملوكا أو مباحا وسواء كان مملوكا له أو لغيره6.

5.  في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي تحث على الرفق بالحيوان من التعاليم ما لو عمل الناس بها لأغنى عن جمعية الرفق بالحيوانات، ولسد أفواه الذين لا يعرفون عن  الإسلام إلا أنه دين القسوة، واحتقار الضعيف، وما علموا من رسول ­-صلى الله عليه وسلم- أنه كان أرحم الناس بالضعفاء، وأكثرهم رفقاً بالبهائم.. ينظر إلى حمار قد وسم في وجهه فيقول: (لعن الله الذي وسمه)7… وأمر قوماً من الأنصار بالتخفيف عن بعيرهم الذي كبر في خدمتهم. وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)8. وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة (الحمرة طائر) معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش (أي ترفرف)، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)، ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: (من حرق هذه؟) قلنا: نحن، قال: (إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)9..

لكن إذا كثر النمل والحشرات الأخرى، كالذباب والبعوض، ولم تتأت إزالتها إلا بالنار والأدوية السامة فلا بأس بذلك.

وغير ذلك من الفوائد، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..


 


1 رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (956).

2 رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه ابن ماجة والبيهقي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (957).

3 يراجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري(5/42) ابن حجر. وشرح النووي على مسلم(14/241).

4  يرجع: إصلاح المجتمع، صـ(344- 345). للبيحاني.

5 فتح الباري(5/42).

6 شرح النووي على مسلم(14/241).

7 رواه مسلم.

8 رواه مسلم من حديث يعلى بن شداد بن أوس.

9 رواه أبو داود، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح أبي داود، رقم(2329).