مؤذنو النبي

مؤذنو النبي – صلى الله عليه وسلم –

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

إن الأذان يوم أن كان في أول مهده قام به رجال حق القيام، فأعطوه حقه من الاهتمام لأن اختيارهم كان موفقاً، ولم لا يكون كذلك وقد قام بالاختيار المعصوم نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم -، فجعل – كما يقال – الرجل المناسب في المكان المناسب، فكان مؤذنوه أربعة كما ذكر ذلك ابن القيم – رحمه الله تعالى -: "فصل في مؤذنيه – صلى الله عليه وسلم -: وكانوا أربعة: اثنان بالمدينة: بلال بن رباح، وهو أول من أذن لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وعمرو بن أم مكتوم القريش العامري الأعمى، وبقباء سعد القرظ مولى عمار بن ياسـر، وبمكـة أبو محذورة واسمه أوس بن مغيرة الجمحي"1، وقال الصفدي – رحمه الله تعالى -: "وكان بلال بن رباح المؤذن، وكذلك عمرو بن قيس الأعمى المدعو ابن أم مكتوم، وأبو محذورة أقرَّه مؤذناً بمكة، وسعد القرض مؤذنٌ بالمدينة"2، ولعلنا نعلم شيئاً عن هؤلاء الذين شرفت بهم الأمة فرفعوا شعارها، وصدحوا بأذانها.

أولهم "بلال بن رباح الحبشي المؤذن، وهو بلال بن حمامة وهي أمه، اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه فلزم النبي – صلى الله عليه وسلم -، وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي – صلى الله عليه وسلم – بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبي – صلى الله عليه وسلم – مجاهداً إلى أن مات بالشام، … وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك: أحد أحد، فمر به أبو بكر فاشتراه منه بعبد له أسود جلد، قال البخاري: مات بالشام زمن عمر، وقال ابن بكير: مات في طاعون عمواس، وقال عمرو بن علي: مات سنة عشرين، وقال ابن زبر: مات بداريا، وفي المعرفة لابن منده أنه دفن بحلب"3.

والثاني "عمرو بن أم مكتوم القرشي، ويقال اسمه عبد الله وعمرو أكثر، وهو ابن قيس بن زائدة بن الأصم، ومنهم من قال عمرو بن زائدة لم يذكر قيساً، ومنهم من قال قيس بدل زائدة، وقال ابن حبان من قال ابن زائدة نسبةً لجده، ويقال كان اسمه الحصين فسماه النبي – صلى الله عليه وسلم – عبد الله، … وكان من المهاجرين الأولين، قدم المدينة قبل أن يهاجر النبي – صلى الله عليه وسلم -، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس، وقال الزبير بن بكار خرج إلى القادسية فشهد القتال، واستشهد هناك، وكان معه اللواء حينئذ، وقيل: بل رجع إلى المدينة بعد القادسية فمات بها، وقال ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي – صلى الله عليه وسلم – استخلف بن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في الأبواء، وبواط، وذي العشيرة، وغزوته في طلب كرز بن جابر، وغزوة السويق، وغطفان، وفي غزوة أحد، وحمراء الأسد، ونجران، وذات الرقاع، وفي خروجه من حجة الوداع، وفي خروجه إلى بدر، ثم استخلف أبا لبابة لما ردَّه من الطريق، وهو المذكور في سورة عبس وتولى، ونزلت فيه غير أولي الضرر، لما نزلت "لا يستوي القاعدون" أخرجه البخاري4، والله أعلم"5.

والثالث "سعد بن عائذ المؤذن، مولى عمار بن ياسر المعروف بسعد القرظ، له صحبة، وإنما قيل: له سعد القرظ؛ لأنه كان كلما اتجر في شيء وضع فيه، فاتجر في القرظ فربح، فلزم التجارة فيه"6، "جعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مؤذناً بقباء، فلما مات رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وترك بلال الآذان؛ نقل أبو بكر – رضي الله عنه – سعد القرظ هذا إلى مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلم يزل يؤذن فيه إلى أن مات، وتوارث عنه بنوه الآذان فيه إلى زمن مالك وبعده أيضاً، وقد قيل: إن الذي نقله من قباء إلى المدينة للآذان عمر بن الخطاب، وقيل إنه كان يؤذن للنبي – صلى الله عليه وسلم -، واستخلفه بلال على الآذان في خلافة عمر حين خرج بلال إلى الشام، وقيل: انتقله عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، وقال خليفة بن خياط: أذن لأبي بكر سعد القرظ مولى عمار بن ياسر، هو كان مؤذنه إلى أن مات أبو بكر، وأذن بعده لعمر بن الخطاب – رضي الله عنهم -"7، "قال أبو أحمد العسكري: عاش سعد القرظ إلى أيام الحجاج"8.

والرابع "أوس ابن معير بن لوذان بن ربيعة بن عريج بن سعد بن جمح أبو محذورة القرشي الجمحي، مؤذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمكة بعد الفتح، غلبت عليه كنيته، وقد اختلف في اسمه فقيل: ما ذكرناه، وهو قول ابن منيع عن الزبير بن بكار، وقيل: سمرة، وقيل: إن أوساً اسم أخي أبي محذورة، وفيه نظر، والأول أكثر، والصحيح أن أخاه اسمه أنيس قتل يوم بدر كافراً، قاله الزبير وهشام الكلبي"9، "وجاء أن أبا محذورة – رضي الله عنه – قال: خرجت في نفر عشرة، فكنا في بعض الطريق حين قفل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من حنين، فأذن مؤذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة عنده، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه، ونستهزيء به، فسمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إلي وصدقوا، فأرسلهم وحبسني، ثم قال: قم فأذن بالصلاة فقمت، ولا شيء أكره إليَّ من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يديه، فألقى علي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التأذين هو بنفسه، فقال: قل الله أكبر الله أكبر فذكر الأذان، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتي، ثم من بين ثديي، ثم على كبدي، حتى بلغت يد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرتي، ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((بارك الله فيك، وبارك الله عليك))، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، قال: ((قد أمرتك به))، وذهب كل شيء كان في نفسي لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وذكر تمام الخبر"10، "قال الزبير: كان أبو محذورة أحسن الناس أذاناً، وأنداهم صوتاً، قال له عمر يوماً وسمعه يؤذن: كدت أن ينشق مريطاؤك، قال: وأنشدني عمي مصعب لبعض شعراء قريش في أذان أبي محذورة:

أما ورب الكعبة المستورة           وما تلا محمد من سوره

والنغمات من أبي محذورة           لأفعلن فعلة مذكـوره

قال الطبري: توفي أبو محذورة بمكة تسع وخمسين وقيل سنة تسع وسبعين، ولم يهاجر، ولم يزل مقيماً بمكة حتى توفي"11.

هذا ونسأل الله – تعالى – أن يجمعنا بهم جنات النعيم، وأن يرزفنا علماً نافعاً، وعملاً متقبلاً، والحمد لله رب العالمين.


 


1 زاد المعاد (1/120).

2 الوافي بالوفيات (1/43).

3 الإصابة في تمييز الصحابة (1/326).

4 البخاري (2676).

5 انتهى من الإصابة في تمييز الصحابة (4/601).

6 تهذيب الكمال (10/275).

7 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/178).

8 الإصابة في تمييز الصحابة (3/65).

9 أسد الغابة (1/94).

10 الاستيعاب (1/564)، وأصل الحديث في صحيح مسلم (379).

11 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/64).