Share |

دروس / السيرة

بعث معاذ بن جبل وأبي موسى إلى اليمن

 

الحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسوله مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى الله به قوماً من الضلالة، وبصر به أمة من العمى، وأنقذهم بنبيه من الكفر والشرك، فصلى الله على نبيه الكريم الصابر على ما أصابه من بلاء في سبيل الدعوة إلى دين الله، وعلى آله وصحبه وسلم.. أما بعد:

فبعد أن فتح الله تعالى لرسوله البلاد وقلوب العباد، وأعظم الفتح فتح مكة وما بعده من انتصارات متتابعة وفتوحات متعاقبة، أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابة -رضي الله عنهم- إلى مناطق الجزيرة العربية يعلمون الناس دين الله تعالى ويقرؤون عليهم القرآن ويصلون بهم ويجمعون منهم الزكاة، وكان من تلك البعوث بعث معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- إلى اليمن..

التبشير والتيسير:

أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معاذاً وأبا موسى إلى اليمن وأمرهما بالتيسير والتبشير والاتفاق فيما بينهما، فقد ثبت عن أبى بردة -رضي الله عنه- قال: بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وبعث كل واحد منهما على مخلاف. واليمن مخلافان. ثم قال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) -وفى رواية: (وتطاوعا ولا تختلفا)- وانطلق كل واحد منهما إلى عمله.

قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريباً من صاحبه أحدث به عهداً فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريباً من صاحبه أبى موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، فإذا هو جالس وقد اجتمع الناس إليه، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبدالله بن قيس أيُّم هذا -أي ما هذا-؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه.

قال: لا أنزل حتى يقتل. قال: إنما جيء به لذلك فانزل. قال: ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل. ثم نزل.

فقال: يا عبدالله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوق1.

قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.2

النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين لهما أحكام الإسلام والتدرج في الدعوة:

عن أبي موسى قال: بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقلت: يا رسول الله إن شراباً يصنع بأرضنا يقال له المزر من الشعير، وشراب يقال له البتع من العسل فقال: (كل مسكر حرام).3

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذ جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).4

وعن معاذ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين بعثه إلى اليمن قال: (كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟) قال: أقضي بما في كتاب الله.

قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟) قال: فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قال: (فإن لم يكن في سنة رسول الله؟) قال: أجتهد وإني لا آلو.

قال: فضرب رسول الله صدري ثم قال: (الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله).

توديع معاذ والشعور بالفراق:

عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنه لما بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمشى تحت راحلته، فلما فرغ قال: (يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري). فبكى معاذ خشعاً لفراق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال: (إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا)5.

وفي رواية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: (لا تبكِ يا معاذ، للبكاء أوان، البكاء من الشيطان).6

وفي صحيح ابن حبان: ثم التفت -صلى الله عليه وسلم- نحو المدينة فقال: (إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي، وإن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا، اللهم إني لا أحل لهم فساد ما أصلحت، وايم الله ليكفؤون أمتي عن دينها كما يكفأ الإناء في البطحاء)7.

وعن معاذ -رضي الله عنه- أنه كان يقول: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن فقال: (لعلك أن تمر بقبري ومسجدي، فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين; فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الإسلام، حتى تبادر المرأة زوجها، والولد والده، والأخ أخاه، فأنزل بين الحيين السكون والسكاسك).8

قال ابن كثير: "وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وإيماء إلى أن معاذاً -رضي الله عنه- لا يجتمع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك; وكذلك وقع، فإنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاته -عليه السلام- بعد أحد وثمانين يوماً من يوم الحج الأكبر".9

معاذ وأبو موسى يمارسان عملهما:

قال عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ بن جبل إلى اليمن رسولاً من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع السحر، رافعاً صوته بالتكبير، وكان رجلاً حسن الصوت، فألقيت عليه محبتي، فما فارقته حتى جعلت عليه التراب.10

وعن عمرو بن ميمون أيضاً أن معاذاً -رضي الله عنه- لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} فقال رجل من القوم خلفه: لقد قرَّت عين أمُّ إبراهيم!.11

وروى الإمام أحمد عن معاذ، قال: بعثني رسول الله صلى الله وسلم إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله من المعافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعاً حولياً، وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سقى بالدوالي نصف العشر.

وعن يحيى بن الحكم، أن معاذاً قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصدق12 أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً -قال هارون: والتبيع: الجذع أو الجذعة- ومن كل أربعين مسنة.

فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك، وقلت لهم: أسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك.

فقدمت فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمرني أن أخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع.

قال: وأمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا آخذ فيما بين ذلك شيئاً إلا أن يبلغ مسنة أو جذعاً، وزعم أن الأوقاص13 لا فريضة فيها.

قال ابن كثير عن هذا الحديث: "وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. والصحيح أنه لم ير النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، كما تقدم في الحديث".14

وعن أبي بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شاباً جميلاً سمحاً من خير شباب قومه، لا يسأل شيئاً إلا أعطاه، حتى كان عليه دين أغلق ماله، فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئاً، فلو ترك لأحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه. فقام معاذ ولا مال له.

قال: فلما حج رسول الله بعث معاذاً إلى اليمن، فكان أول من تجر في هذا المال معاذ. فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاء عمر فقال: هل لك أن تطيعني فتدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله؟ فقال معاذ: لن أدفعه إليه، وإنما بعثني رسول الله ليجبرني.

فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر، فقال: أرسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له.

فقال أبو بكر: ما كنت لأفعل، إنما بعثه رسول الله ليجبره، فلست آخذ منه شيئاً.

قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال: ما أراني إلا فاعل الذي قلت، إني رأيتني البارحة في النوم أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتي.

قال: فانطلق إلى أبي بكر بكل شيء جاء به، حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئاً. فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: هو لك لا آخذ منه شيئاً.15

 

يقول الغزالي في فقه السيرة: "زالت غبرة الجاهلية عن آفاق الجزيرة كما تزول بقايا الليل أمام طلائع الشروق، وصحت العقول العليلة فلم تعد تخشى وترجو إلا الله بعدما ظلت دهوراً تعبد أصناماً جامدة، وسُمع الأذان للصلوات يشق أجواز الفضاء خلال الصحراء التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القرَّاء شمالاً وجنوباً يتلون آيات الكتاب، ويقيمون أحكام الله، ويعلِّمون العرب ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم.

إن هذه الجزيرة-منذ نشأ فوقها عمران-لم تهتز بمثل هذه النهضة المباركة، ولم يتألق تاريخها تألقه في هذه الأيام الفريدة من عمرها.

وكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في المدينة يستقبل الوفود ويشيِّعها بعدما ينفخ فيها من روحه الكبير، ويزودها بحكمته الباهرة، فتعود من حيث أتت لتنشىء في مواطنها القصية معاقل للإسلام وصحائف بيضاً في تاريخ أمة.

ولم يكتف النبي بترقب الوفود المقبلة، بل أرسل رجاله الكبار إلى الجنوب ليزيد رقعة الإسلام هناك اتساعاً.

فإن في اليمن وما حولها قبائل كثيفة العدد ولأهل الكتاب السابقين نشاط قديم، وقد نشأ الإسلام هناك حقاً وتقلَّص ظل الفرس لغير عودة.

إلا أن هذه البقاع النائية تحتاج مزيداً من رعاية وتفقّد.

ومن ثَمَّ بعث النبيّ خالد بن الوليد، ثم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، ثم علياً بن أبي طالب.

وكأنَّ هاتفاً خفياً انبعث في قلب رسول الله يشعره أن مقامه في الدنيا يوشك على النهاية! فإنه بعد أن علَّم معاذ بن جبل كيف يدعو من يلقاهم، وكيف يعرفهم دينهم خرج معه إلى ظاهر المدينة يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته!.

فلما فرغ قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا! ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري! فبكى معاذ خشعاً لفراق رسول الله.

ثم التفت النبي بوجهه نحو المدينة فقال: (إن أولى الناس بي المتقون، مَنْ كانوا وحيث كانوا).16

وقد وقع ما أومأ إليه الرسول، فإن معاذاً أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع ثم كانت وفاة النبي بعد الحج الأكبر بواحد وثمانين يوماً، ومعاذ باليمن.

وقد كان للعناية باليمن ما يبررها، فقد ظهر فيها وفي بني حنيفة دجَّالان يزعمان النبوة.

ولم يكن لكلا الدجّالين من خلال الرجولة وآيات الخير ما يجمع عليه حفنة من الرجال.

ولكن داء العصبية العمياء، جعل قبيلاً كبيراً من الرعاع يقول:

نحن نعلم أن مسيلمة كذاب، ولكن كذاب ربيعة خير من صادق مضر!!

وقد اشتعلت فتن المتنبئين حيناً، ثم داستها أقدام المجاهدين بعد، فأخمدت جذوتها، وذهبت نبوة مسيلمة وغيره كما تذهب بولة شاة على أديم الثرى.17

دروس وعبر من هذا الحدث:

1- في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله..) إرشاد للدعاة إلى الله بالتدرج والبدء بالأهم فالمهم، فالدعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى ورسوله إيمانا يثبت في القلوب ويهيمن على الأفكار والسلوك، ثم تكون الدعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العملية التي ترسخ هذا الإيمان وتنميه، ثم يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات، فيتقبل الناس تكاليف الإسلام التي قد تكون مخالفة لهوى النفس؛ لأن قلوبهم قد عمرت بالإيمان واليقين قبل ذلك.

وهذا منهج نبوي كريم رسمه -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ ولمن يريد أن يسير على هدى الصحابة الكرام, وما أحوج الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله إلى الوقوف أمام هذا الهدي النبوي يترسمون خطاه، ويستوعبونه فهمًا ووعيًا، وتطبيقًا، وحينئذ تكون خطاهم في الطريق الصحيح.

2- قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى ولمعاذ: (يسرا ولا تعسرا..) هذا منهج نبوي كريم أرشد إليه رسول الله معاذاً وأبا موسى بأن يأخذا بالتيسير على الناس ونهاهما عن التعسير عليهم، وأمرهما بالتبشير ونهاهما عن التنفير.18

هذا ما يتعلق بإرسال معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري إلى اليمن، فرضي الله عن الصحابة أجمعين، وصلى الله على خاتم المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.


1 أي ألازم قراءته ليلاً ونهاراً شيئاً بعد شيء ولا أقرأ وردي دفعة واحدة. مأخوذ من فواق الناقة وهو أن تحلب ثم تترك ساعة حتى يجتمع لبنها ثم تحلب، وهكذا.

2 رواه البخاري في صحيحه (3996) باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن.

3 رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

4 رواه البخاري ومسلم وأهل السنن.

5 رواه أحمد وغيره وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.

6 رواه أحمد والطبراني وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.

7 رواه ابن حبان وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي.

8 رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وقال الأرناؤوط: إسناده ضعيف.

9 السيرة النبوية لابن كثير - (ج 4 / ص 191-193).

10 أسد الغابة (ج 2 / ص 367).

11 رواه البخاري.

12 أي أجمع صدقاتهم.

13 الأوقاص: ما بين الفريضتين في الزكاة.

14 السيرة النبوية (4/197).

15 رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه بنحو هذا. ورواه الحاكم في مستدركه مختصراً، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.

16 سبق تخريجه.

 فقه السيرة للغزالي (ص 384-385) 17

18 السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للصلابي (2/660).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.00982