Share |

كلمات / رقائق

فضل الاستغفار

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن المعاصي سلسلة في عنق العاصي لا يفكه منها إلا الاستغفار والتوبة، والإنسان بطبعه الذي خلقه الله تعالى عليه خطَّاء يقع في الذنوب، ويهفو بين الفينة والأخرى كما في الحديث: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون))1، والذنوب سبب لأن يستغفر المرء منها، وينكسر قلبه، ويتوب إلى مولاه يقول عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)) رواه مسلم برقم (2749)؛ لذلك أمر الله عباده وحثهم على كثرة ذكره واستغفاره، والتوبة إليه سبحانه، والالتجاء إليه في كل حال: في العسر واليسر، والمنشط والمكره فقال جل شأنه: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}(غافر:55)، وقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}(محمد‏‏:19‏)‏، وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}(النساء:‏106)، وسمى الله نفسه بـ"غافر الذنب، والغفار"، ووصف نفسه بذي المغفرة، وأثنى على المستغفرين؛ ووعدهم بجزيل الثواب، وكل ذلك يدلنا ويحثنا على الاستغفار، وفضيلته، وحاجتنا إليه.

ويشير إلى أهمية الاستغفار ما قص الله عن أنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه أنهم كانوا يستغفرون ربهم، ويتوبون إليه بشكل دائم، فقد ذكر مثلاً عن الأبوين عليهما السلام أنهما: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(الأعراف:23)، وذكر عن نوح عليه السلام أنه {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}(هود:47)، وقال أيضاً: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً}(نوح:28)، وقال عن موسى عليه السلام أنه {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(القصص:16)، وذكر عن داود عليه السلام {فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب}(سورة ص:24)، ومن ثم فقد أمر جميع عباده بالاستغفار والاستقامة على أمره تشبهاً بهؤلاء الرسل والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فقال جل جلاله: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ}(فصلت:6)، وفي الحديث القدسي يقول سبحانه: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم)) رواه مسلم برقم (2577).

والاستغفار في اللّغة: طلب المغفرة بالمقال والفعال.

أما في الاصطلاح فالاستغفار هو: طلب المغفرة، ومحو الذنوب، وستر العيوب، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها، أي طلب العبد من ربه عز وجل أن يستر عليه حاله فلا يفضحه في الدنيا، ويستره في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها، ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.

والاستغفار نوعان: إما مفرد، وإما مقرون بالتوبة:

"فالاستغفار المفرد كالتوبة - بل هو التوبة بعينها -، مع تضمنه طلب المغفرة من الله وهو: محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، وأما إن كانت مقرونة فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع، وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله"2.

وحكم الاستغفار كحكم الدعاء إن شاء الله أجابه، وغفر لصاحبه لاسيما إذا خرج من قلب منكسر بالذنوب، معترف بها، عازماً على تركها، نادماً على فعلها، أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار، وأدبار الصلوات، وإن لم يشأ لم يجب.

وأفضل الاستغفار أن يبدأ بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل ربه بعد ذلك المغفرة كما في حديث شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) رواه البخاري برقم (5947)، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه قال: ((يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) رواه البخاري برقم (834)، ومسلم برقم (7044).

وللاستغفار فضائل كثيرة، وآثار حميدة؛ على الروح والبدن، فضلاً عن أنه استجابة لأمر الله تعالى حيث قال سبحانه: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}(هود:90).

فمن فضائل الاستغفار:

أولاً: أنه طاعة لله تعالى، واستجابة لأمره سبحانه وتعالى.

ثانياً: أن ملازمة الاستغفار، والمداومة عليه هو اقتداء بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((والله إني لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) رواه البخاري برقم (6307)، وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: "كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: ((رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم))"3، وعن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)) رواه مسلم برقم (7033).

ثالثاً: أن الله تعالى يحب مغفرة الذنوب لعباده، ويحب من يلزم التوبة؛ ويكثر الاستغفار فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)) رواه مسلم برقم (7141)، وعن أبى أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم؛ لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم)) رواه مسلم برقم (7140)، فدلَّ هذا الحديث على محبة الله تعالى للمؤمن؛ لأنه إذا أذنب اعتذر إليه وتاب، وأقبل عليه وتضرع واستكان، فالله تعالى يحب هذا من العبد، وخبايته لا تقدح في محبته له؛ لأن الخباية من العبد، والمحبة من الله تعالى له، ولا تقدح أوصاف المحدث الضعيف الحقير في أوصاف القديم اللطيف الخبير.

رابعاً: أنه سبب لحلول الخيرات، وكثرة البركات، وهو سبب لنزول الغيث، والإمداد بالأموال والبنين، ونبات الأشجار، وتوفر المياه، قال تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}(نوح:10-12)، وقال عن هود عليه السلام أنه قال لقومه: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}(هود:52)، وجاء رجلٌ إلى الحسن البصري يشكو إليه الجدب والقحط فأجابه قائلاً: استغفر الله، ثم جاءه رجلٌ آخر يشكو الحاجة والفقر فقال له: استغفر الله، ثم جاءه ثالث يشكو قلة الولد فقال له: استغفر الله، فعجب القوم من إجابته، فأرشدهم إلى الفقه الإيماني، والفهم القرآني، والهدي النبوي، وتلا قول الحق جل وعلا: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموالِ وبنين ويجعل لكم جناتِ ويجعل لكم أنهاراً}(نوح:10-12).

خامساً: أن الاستغفار سبب من أسباب القوة بكل معانيها قال الله تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}(هود:52) قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "أي شدة مضافة إلى شدتكم، أو خصباً إلى خصبكم، أو عزاً إلى عزكم"4.

سادساً: أن الاستغفار سبب لدفع العقوبة والعذاب قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}(الأنفال:33).

سابعاً: والاستغفار سبب من أسباب نزول الرحمة: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(النمل:46).

ثامناً: أن الاستغفار سبب لمغفرة الذنوب ومحوها، والسلامة من آثارها وعواقبها فعن أسماء بن الحكم الفزاري قال: "سمعت علياً يقول: إني كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(آل عمران:135)"5.

تاسعاً: جاء في الحديث الصحيح عند ابن ماجة من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً))6، وطوبى: شجرة في الجنة يسير الراكب تحت ظلها مائة عام لا يقطعها، وعن الزبير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحب أن تسره صحيفة فليكثر فيها من الاستغفار))7.

عاشراً: الاستغفار سبب عظيم لدخول الجنة كما في حديث سيد الاستغفار عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت، إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة، أو كان من أهل الجنة، ... الحديث)) رواه البخاري برقم (5947).

الحادي عشر: أن بعض الكبائر تغفر ببعض العمل الصالح، ومما يدل عليه ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت أبى يحدثنيه عن جدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف))8.

الثاني عشر: أن الاستغفار كفارة لما يحصل من اللغو في المجالس وغيرها فعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فإن قالها في مجلس ذكر كانت كالطابع يطبع عليه، ومن قالها في مجلس لغو كانت كفارة له))9.

الثالث عشر: أنه سبب لمغفرة ذنوب الوالدين باستغفار الابن لهما فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك))10.

الرابع عشر: الاستغفار والتوبة والالتجاء إلى الله تعالى مفتاح من مفاتيح استنزال الفتح من الله سبحانه، وكشف الكرب حين تستصعب الأمور، ويذكر ابن القيم رحمه الله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: "وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه إذا أعيته المسائل، واستصعبت عليه؛ فرَّ منها إلى التوبة، والاستغفار، والاستغاثة بالله، واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلَّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مداً، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وُفق لهذا الافتقار علماً وحالاً، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد؛ فقد أُعطى حظّه من التوفيق، ومن حُرِمَه فقد مُنِعَ الطريق والرفيق، فمتى أُعِين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق؛ فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم))11.

الخامس عشر: أن تمام الطاعة يكون بالاستغفار، واليقين يتم بالصبر، وقد جمع الله بينهما في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}(غافر:55) كالاستغفار بعد الصلاة ثلاثاً، وعقيب الإفاضة من الحج قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(البقرة:199)، وأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في آخر حياته بالاستغفار والتسبيح كما في سورة النصر فقال تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}(النصر:1-3) قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: "فأمر الله رسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ما يجده صلوات الله وسلامه عليه"12.

روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قول: ((سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه))، قالت: فقلت يا رسول الله: ما لي أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟ قال: ((إن ربي عز وجل كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان تواباً، فقد رأيتها: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}(النصر:1-3)"13.

فاللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين التوابين، الأوابين المستغفرين، واحشرنا مع نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


 

1 ابن ماجة برقم (4251)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (3139)، وانظر صحيح الترغيب والترهيب (3/121) لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط. الخامسة.

2 مدارج السالكين لابن القيم (1/307-308).

3 رواه أبو داود برقم (1518)، والترمذي برقم (3434)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (5/248)، لمحمد ناصر الدين الألباني، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، ط. الأولى (1423هـ-2002م).

4 فتح القدير (2/729).

5 رواه الترمذي برقم (406)، وأبو داود (1523)، وحسنه الألباني مشكاة المصابيح (1/295)، لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، المكتب الإسلامي - بيروت، ط. الثالثة (1405-1985)، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني.

6 رواه بن ماجة برقم (3818)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3930).

7 المعجم الأوسط (839)، وشعب الإيمان (648)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (5955).

8 رواه الترمذي برقم (3577)، وقال الألباني: صحيح لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب (2/125).

9 رواه النسائي برقم ( 10257)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (643).

10 مسند أحمد برقم ( 10618)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (1617).

11 إعلام الموقعين لابن القيم (4/187).

12 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/936)، لعبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (1420هـ-2000م).

13 رواه أحمد برقم (23545)، وجاء في تحقيق المسند للأرناؤوط وآخرون: إسناده صحيح، انظر مسند الإمام أحمد بن حنبل (40/76) لأحمد بن محمد بن حنبل، المحقق: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (1421هـ-2001م).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01281