Share |

كلمات / رقائق

الزهد في الدنيا

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة"، وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها، وقال سفيان الثوري: "الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء"، وقال الجنيد: "سمعت سرياً يقول: إن الله - عز وجل - سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم"، وقال: "الزهد في قوله - تعالى -: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}1، فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا يأسف منها على مفقود"، وقال يحيى بن معاذ: "الزهد يورث السخاء بالملك، والحب يورث السخاء بالروح"، وقال ابن الجلاء: "الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، فتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض عنها"، وقال ابن خفيف: "الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك"، وقال أيضاً: "الزهد سلو القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي من الأملاك"، وقيل: "هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف"، وقال الجنيد: "الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد"2.

وفي الحديث الذي يرويه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ))3 قال ابن رجب - رحمه الله -: "اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين: الزهد في الدنيا، وأنه مقتض لمحبة الله - عز وجل- لعبده، والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس، وأنه مقتضى لمحبة الناس"4.

وقد ورد في الكتاب والسنة في مدح الزهد وأهله، وذم الدنيا والرغبة فيها وأهلها أدلة كثيرة جداً فمن ذلك قوله - تعالى -: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدنيا والآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى}5، وقال: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}6، وقال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}7، وقال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}8، وقال: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}9، وقال - تعالى - في قصة قارون: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} إلى قوله - تعالى -:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}10، وقال - تعالى -: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}11.

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟)) فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: ((أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟)) قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ!! فَقَالَ: ((فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ))12، وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه -  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))13، وعن المستورد الفهري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُِ))14.

وأما "التحلي بحلية الأنبياء والصديقين" فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقاً، إذ هم مستمرون إلى علم قد رفع لهم غيرها، فهم زاهدون، وإن كانوا لها مباشرين.

وقد يظن بعض الناس أن الزهد لا يكون إلا بترك الدنيا كاملة، والإقبال على الاعتكاف في المساجد، وترك العيال والأولاد يتكففون الناس، أو أن الزهد لبس الثياب الخشنة، أو تعذيب النفس وتجويعها؛ كما يفعله بعض المتصوفة أو.. وليس الأمر كذلك.

ولقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما نهى عنه، ثم تزهد وترك الدنيا والمال والأهل والأولاد خائفاً من كسب الحرام والشبهات، وبعث الآخرة، وطلب رضا الله ورسوله، وساح في أرض الله والبلدان، فهل يجوز أن يقطع الرحم، ويسيح كما ذكر أم لا؟

فأجاب: الحمد لله وحده.

الزهد المشروع: هو ترك كل شيء لا ينفع في الآخرة، وثقة القلب بما عند الله كما في الحديث الذي في الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِمَّا فِي يَدَيْ اللَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا))15 لأن الله - تعالى- يقول: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}16.

وأما في الظاهر فترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة الله من مطعم وملبس ومال وغير ذلك كما قال الإمام أحمد: "إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وصبر أيام قلائل".

وجماع ذلك خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: ((خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة))17 وكان عادته في المطعم أنه لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، ويلبس من اللباس ما تيسير من قطن وصوف وغير ذلك، وكان القطن أحب إليه، وكان إذا بلغه أن بعض أصحابه يريد أن يتعدي فيزيد في الزهد، أو العبادة على المشروع، علمه وأرشده، وبلغه أن بعض أصحابه قال: أما أنا فأصوم فلا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم فلا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لكني أصوم وأفطرـ وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني"18.

فأما الإعراض عن الأهل والأولاد فليس مما يحبه الله ورسوله، ولا هو من دين الأنبياء، بل قد قال الله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةًٌ}19، والإنفاق على العيال والكسب لهم يكون واجباً تارة، ومستحباً أخرى، فكيف يكون ترك الواجب أو المستحب من الدين؟!

وكذلك السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع؛ كما يعانيه بعض النساك؛ أمر منهي عنه.

وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت أكتسب به حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة"20.

نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا الاستقامة على دينه حتى الممات، والحمد لله رب العالمين.


1 سورة الحديد (23).

2 مدارج السالكين (2/10).

3 أخرجه ابن ماجة (412)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/555)، وفي صحيح الجامع برقم (922).

4 جامع العلوم والحكم (2/177).

5 سورة الأعلى (16-17).

6 سورة الأنفال (67).

7 سورة النحل (96).

8 سورة الحديد (20).

9 سورة النساء (77).

10 القصص (79-83).

11 طه (131).

12 أخرحه الإمام مسلم (2957).

13 أخرجه الإمام الترمذي (2320)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/299) رقم (686).

14 أخرجه الإمام مسلم (2858).

15 أخرجه الإمام الترمذي (2340)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (1/263).

16 سورة الحديد (23).

17 رواه مسلم (867).

18 رواه البخاري (5063).

19 سورة الرعد (38).

20 مجموع الفتاوى (10/641) بتصرف يسير جداً.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01269