Share |

خطب / واقع

حبُّ الدنيا وكراهية الموت

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أيها المسلمون: نقف اليوم جميعاً مع حقيقة من الحقائق، وبينة من البينات، نقف مع آية عظيمة ذكر الله فيها أحوال وحقيقة الدنيا، ولعلنا نخوض أمواج هذه الآية ونغوص في أعماقها؛ لنستخرج منها الدرر والفوائد الكريمة.

يقول الله عز وجل{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}[الحديد: 20].

فيقول تعالى موهناً أمر الدنيا، ومحقراً لها: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة}، أي إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}[آل عمران: 14]، ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية، ونعمة زائلة فقال: {كمثل غيث}، وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، فأعجب الزراع بنبات ذلك المطر، وكذلك تعجب هذه الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها، وأميل الناس إليها {ثم يهيج فتراه مصفراً، ثم يكون حطاماً}، أي يابساً متحطماً، فالحياة الدنيا –عباد الله– تكون كذلك: شاباً، ثم كهلاً، ثم عجوزاً شمطاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه، غضاً طرياً لين الأعطاف بهيَّ المنظر، ثم يكبر، فيصير شيخاً كبيراً ضعيف القوى قليل الحركة يعجزه الشيء اليسير، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}[الروم: 54].

ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} أي وليس في الآخرة آلاتية القريبة إلا هذا أو هذا: إما عذاب شديد! وإما مغفرة من الله ورضوان.

وقوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} أي هي متاع فانٍ غارٍّ لمن ركن إليه، فإنه يغتر بها وتعجبه، حتى يعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى دار الآخرة.

أيها المسلمون: إن حب الدنيا وتقديمها على الآخرة من أعظم البلايا التي تصيب الأمة في دينها ودنياها، ولذا جاء عند أبي داود عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟، قال: ((بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يارسول الله وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت))1.

والناظر إلى تاريخ الأمة يجد أنه لا يمكن أن تستباح أراضيها وأعراضها وحرماتها إلا عندما تتخلى عن دينها؛ ولا تتخلى عن دينها إلا إذا رغبت في دنياها!!. وهذا ما حصل أيام دخول التتار إلى بغداد، فقد عاثوا فيها الفساد، وقتلوا آلاف المسلمين، بل وذبحوا ذبحاً حتى وصل الحد إلى أن ذبح خليفة المسلمين آنذاك!! وفي عصرنا الحاضر لم تدخل قوات الاحتلال الغربي إلى أفغانستان، وإلى العراق، ولم تحتل من قبل ذلك فلسطين إلا عندما تنكرت الأمة لمبادئها، وقيمها، ودينها، وعندما كثر حبهم للدينار والدرهم، وشغلهم ذلك عن إقامة دينهم، وحماية مقدساتهم وأراضيهم وأعرضهم، وعندما كثر المنافقون فيها وعلت رايتهم، ونزلت، أو نزِّلت راية العلماء، وعلت أو أعليت مزامير وطبول الفساق، وهذه مصيبة كبرى في تاريخ الأمة المحمدية.

أيها الناس: إن البهيمة تدافع عن نفسها وعن بيتها وعن عرضها وهي حيوان لا يعقل! لكن فطرتها جعلتها تدافع عن نفسها، وتصد عنها ما يؤذيها، بينما المسلمون الذين كرمهم الله بالإسلام لم يقدروا أن يدفعوا عن أنفسهم ومبادئهم وقيمهم الإسلامية كثيراً من الشرور، لا لشيء إلا لأنهم لأنهم تخلوا عن دينهم ووضعو قيم ومبادئ الأمم الغربية والشرقية المنافية لما عليه ديننا الحنيف موضع تقدير واحترام، {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}[الحـج: 18].

فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدلوا بالآخرة حب الدنيا وكراهية الموت.

فمن العقوبات التي حلت بالأمة بسبب هذا الوهن والخوف والضعف والركون إلى الدنيا: أن سلط على المسلمين عدوهم ينهب خيراتهم، ويعبث بأعراضهم، ويستحل محارمهم، بكل جرأة وقوة وإجرام.. وأما المسلمون فقد أصيبوا بذل، وهوان، وخور في قلوبهم جزاء حبهم للدنيا، وتخليهم عن ما خلقوا من أجله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات: 56].

عباد الله: لو علم كثير من المسلمين حقيقة الحياة الدنيا بالنسبة لما أعد الله للكافرين والمسلمين في الآخرة لما ساوت الحياة في نظرهم شيئاً يذكر! ولكن عظمت الدنيا في قلوب كثير منهم، وهانت الآخرة في نفوسهم، وهذا فيه شبه باليهود والمشركين -والعياذ بالله- حيث قال الله عنهم: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}[البقرة: 96].

ومما ورد في ذم الدنيا ما روي عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة، فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها، فقال: ((أترون هذه هينة على صاحبها! فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها قطرة أبداً))2 وكان يصفها بعض العلماء بقوله: جمة المصائب، رتقة المشارب، لا تفي لصاحب. وقال يحيي بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان من شربها لم يفق إلا بين عساكر الموتى، نادماً بين الخاسرين، قد ترك منها بغير ما جمع، وتعلق بحبل غرورها فانقطع، وقدِم على من يحاسبه على الفتيل، والقطمير، والنقير، فيما انقرض عليه من الصغير والكبير، يوم تزل بالعصاة الأقدام، ويندم المسيء على ما قدم.

عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))، وفي حديث بشار: ((لينظر كيف تعملون))3.

وقال عليه الصلاة والسلام: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}، قال: ((يقول ابن آدم: مَالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت))4.

أسأل الله تعالى أن يقينا شرور أنفسنا ويحبب إلينا الإيمان، ويزينه في قلوبنا، ويكره إلينا الكفر، والفسوق، والعصيان.

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي عرَّف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها، وكشف عن عيوبها وعوراتها، حتى نظروا في شواهدها وآياتها، ووزنوا بحسناتهم سيئاتها، فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها، ولا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، ولكنها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها، ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها، ثم هي شحيحة بإقبالها، وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها، إن أحسنت ساعة أساءت سنة، وإن أساءت مرة جعلتها سنة، فدوائر إقبالها على التقارب دائرة، وتجارة بنيها خاسرة بائرة، وآفاتها على التوالي لصدور طلابها راشقة، ومجاري أموالها بذل طالبيها ناطقة، فكل مغرور بها إلى الذل مصيره، وكل متكبر بها إلى التحسر مسيره، شأنها الهرب من طالبها، والطلب لهاربها، ومن خدمها فاتته، ومن أعرض عنها أتته، لا يخلو صفوها عن شوائب الكدور، ولا ينفك سرورها عن المنغصات، سلامتها تعقب السقم، وشبابها يسوق إلى الهرم، ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم5.

إن معرفة الدنيا لا تكفيك ما لم تعرف حقيقة الدنيا المذمومة ما هي؟ وما الذي ينبغي أن يجتنب منها وما الذي لا يجتنب؟، فلا بد وأن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله.

نقول: هي دنياك، وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك، فالقريب الداني منها يسمى دنيا، وهو كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخره، وهو ما بعد الموت، فكل ما لك فيه حظ ونصيب، وغرض وشهوة، ولذة عاجل الحال، قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك، إلا أن جميع مالك إليه ميل، وفيه نصيب وحظ، فليس مذموم بل هو ثلاثة أقسام:

الأول: ما يصحبك في الآخرة، وتبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو شيئان: العلم والعمل فقط، والمراد بها ما يكون من علوم الشريعة والدين لا علوم الدنيا، والعمل ما أريد به التعبد لله كالصلاة، والحج، والصوم، والأكل، والشرب، وغيره، فهذا مطلوب لا يذم أبداً.

الثاني: ما هو عكس الأول أي ما كانت لذته عاجلة قبل الموت من التلذذ بالمعاصي، والمنكرات، والخوض في مال الله بغير حق، وأكل أموال الناس، فهذا مذموم جداً.

الثالث: ما كان بينهما مما يعين على طاعة الله تعالى كالأكل، والشرب، واللباس بالاقتصاد، ومن طريقة الحلال فهذا يلحق بالقسم الأول؛ لأنه من وسائله6.

أيها المسلم: اعلم أن وصال الدنيا مقرون بالشتات، والحياة الشائقة سائقة إلى الممات، والأغراض فيها أغراض للسهام النائبات، ويكفيكم عظة سلب الآباء والأمهات، فاذكر هاذم اللذات صَباحاً ومساءً، وتفكر في بِلى وجوه قد كُنَّ صِباحاً، فقد أفصحت عبر الدهر بالعبر إفصاحاً.

إخواني: كيف يغتر من تعد أنفاسه؟ وكيف يقر من قد قرب اختلاسه؟ فنيت والله الأيام، ولكن بخطايا وآثام، وكأن قد نزل بكم الحِمام، وأول ما يلقاكم عند حلول القبر الندامة، وآخر ما ترون عند القيام القيامة، فرحم الله عبداً علم أن الدنيا دار غرور، ففارق ما فارق فيها من الشرور، واختار حَزَن الحُزْن على سهل السرور، ولاحظ قرب الآخرة، فصاحب الصور قد التقم الصور.

اللهم أعزنا بحبك ومحبة لقائك، ولا تذلنا بحب الدنيا وكره لقائك، وأخرج هذه الأمة من حبائل أنفسها والشياطين، وردها إلى دينها مرداً جميلاً.

اللهم صلِّ وسلم على النبي الأمي محمد الأمين السراج المنير، وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


1 رواه أبو داوود برقم (4297)، قال الشيخ الألباني: (صحيح)، انظر حديث رقم :(8183 ) في صحيح الجامع.

2 رواه ابن ماجه برقم (4110) وغيره، وقال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر السلسلة الصحيحة (686) و(2482).

3 رواه مسلم برقم (2742).

4 رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2671).

5 إحياء علوم الدين دار المعرفة – بيروت (3/201).

6  راجع المصدر السابق، بتصرف.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01345