Share |

دروس / تفسير

تفسير آيات الحج من سورة البقرة

تفسير آيات الحج من سورة البقرة

الحمد لله القائل: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} سورة آل عمران(97). والصلاة والسلام على رسوله القائل: (خذوا عني مناسككم)1. وعلى آله وصحبه الغر الأوائل، وعلى التابعين بهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الله -سبحانه وتعالى- قد أوجب على من كان مستطيعاً من عباده حج بيته الحرام، والوقوف بعرفات مع جميع الأنام، والسعي والطواف بين الركن والمقام، وقد بين لهم في كتابه وسنة رسوله صفة الحج وكيفيته.

وسنتناول في هذه الموضوع تفسير الآيات من سورة البقرة التي تتحدث عن الحج ومناسكه ومتعلقاته على وجه الخفة والسرعة والاختصار على شاكلة أهل التفسير في بيان الآيات.

بعد أن بين -سبحانه وتعالى- ما يتعلق بالركن الرابع من أركان الإسلام، وهو ركن الصيام، وأردف بذكر فريضة الجهاد في سبيله؛ ذكر الحج وأحكامه؛ فقال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ...} الآيات..

إتمام الحج والعمرة:

يقول تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} أي ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد، وكذلك صفة الحج والعمرة أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم به. واللام في قوله تعالى: لله يفيد الإخلاص؛ يعني مخلصين لله -عز وجل- ممتثلين لأمره.

وقد استدل العلماء بقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} على عدة أمور:

أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما.

الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وقوله: (خذوا عني مناسككم)2.

الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة.

الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلا.

الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما.

السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله –تعالى-.

السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر؛ كما سيأتي بيانه.

بماذا يتحلل من منع عن أداء فريضة الحج أو العمرة؟:

يقول تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، بمرض، أو ضلالة، أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع.

ثم بين بماذا يتحلل من أحصر؟ وماذا عليه أن يفعل إذا أحصر؟ فقال: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي إذا أحصرتم فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سُبُع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر؛ كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي، فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل.

كما أنه يجب على من أحصر أن لا يتحلل بحلق رأسه أو ما أشبه ذلك حتى يهدي؛ لقوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر، بحلق أو غيره؛ لأن المعنى واحد من الرأس، أو من البدن، لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته، وهو موجود في بقية الشعر.

وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر؛ كما تدل عليه الآية.

ارتكاب بعض المحظورات للضرورة:

قوله: {فمن كان منكم مريضاً} أي واحتاج إلى حلق الرأس؛ {أو به أذًى من رأسه} وهو صحيح، كما لو كان الرأس محلاً للأذى، والقمل، وما أشبه ذلك؛ {ففدية} أي فعليه فدية يفدي بها نفسه من العذاب {من صيام أو صدقة أو نسك}؛ {أو} هنا للتخيير؛ وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن "الصيام" ثلاثة أيام، وأن "الصدقة" إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع3؛ وأما "النسك" فهو ذبح شاة؛ لحديث عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عُجرة -رضي الله عنه- فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة، حملت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقمل يتناثر على وجهي، فقال: (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى) أو (ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، تجد شاة؟). فقلت: لا، فقال: (فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع)4.

المتمتع يلزمه الهدي:

قال تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} أي بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له.

ويدل مفهوم الآية على أن المفرد للحج ليس عليه هدي، ودلت الآية على جواز بل فضيلة المتعة، وعلى جواز فعلها في أشهر الحج.

ماذا على من لم يجد الهدي؟:

قوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} أي الهدي أو ثمنه {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت بـ "منى" ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع، والثامن، والتاسع، {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي فرغتم من أعمال الحج فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله.

قوله: {ذَلِكَ} المذكور من وجوب الهدي على المتمتع {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} بأن كان عند مسافة قصر فأكثر، أو بعيدا عنه عرفات، فهذا الذي يجب عليه الهدي، لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك.

تقوى الله:

ثم ختم الله الآية بالأمر بتقواه؛ فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية.

ثم حذرهم من عقابه؛ فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات.

أشهر الحج (مواقيت الحج الزمانية):

يقول تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}؛ يخبر تعالى أن {الْحَجَّ} واقع في أشهر معلومات عند المخاطبين، مشهورات، بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره، وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس.

وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم.

والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء: "شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة"، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالباً.

الحج مدرسة للتربية على الأخلاق الفاضلة:

قوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أي أحرم به؛ لأن الشروع فيه يصيره فرضاً، ولو كان نفلاً.

وقوله: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} أي يجب أن تعظموا الإحرام بالحج، وخصوصا الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه، من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن.

والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام. والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة.

والمقصود من الحج، الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبرورا والمبرور، ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج.

ثم قال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} أتى بـ {مِن} لتنصيص على العموم، فكل خير وقربة وعبادة، داخل في ذلك، أي فإن الله به عليم، وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير، وخصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة، فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها، من صلاة، وصيام، وصدقة، وطواف، وإحسان قولي وفعلي.

خير الزاد التقوى:

قوله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك، فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم، سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع.

وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم دائم أبدا، ومن ترك هذا الزاد، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين. فهذا مدح للتقوى.

ثم أمر بها أولي الألباب، فقال: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ} أي يا أهل العقول الرزينة، اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول، وتركها دليل على الجهل، وفساد الرأي.

لا منافاة بين الحج وبين ابتغاء الرزق في الحج:

قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}؛ لما أمر تعالى بالتقوى أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله، لا منسوبا إلى حذق العبد، والوقوف مع السبب، ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه.

أعمال ما بعد عرفة:

قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات} الإِفاضة من عرفات تكون بعد الوقوف بعرفة يوم الحج وذلك بعد غروب الشمس من يوم التاسع من شهر الحجة.

{فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أي باللسان، والقلب، والجوارح؛ فيشمل كل ما فعل عند المشعر من عبادة؛ ومن ذلك صلاة المغرب، والعشاء، والفجر.

والمقصود بـ: {المشعر الحرام} مزدلفة.

وفي هذه الآية دلالة على عدة أمور:

أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات، لا تكون إلا بعد الوقوف.

الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام، وهو المزدلفة، وذلك أيضاً معروف، يكون ليلة النحر بائتاً بها، وبعد صلاة الفجر، يقف في المزدلفة داعيا، حتى يسفر جدا، ويدخل في ذكر الله عنده، إيقاع الفرائض والنوافل فيه.

الثالث: أن الوقوف بمزدلفة، متأخر عن الوقوف بعرفة، كما تدل عليه الفاء والترتيب.

الرابع، والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها.

السادس: أن مزدلفة في الحرم، كما قيده بالحرام.

السابع: أن عرفة في الحل، كما هو مفهوم التقييد بـ "مزدلفة ".

ثم قال تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} أي اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم، التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان.

الإفاضة من عرفة:

قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا} أي من عرفات.

وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} أي من المكان الذي يفيض الناس منه؛ وكانت قريش في الجاهلية لا يقفون مع الناس في عرفة -يقولون: نحن أهل الحرم فلا نقف خارج الحرم-؛ فأُمر المسلمون أن يفيضوا من حيث أفاض الناس -أي من عرفة-؛ هذا هو ظاهر الآية الكريمة.

الحث على الاستغفار في نهاية كل عمل:

قوله تعالى: {واستغفروا الله} أي اطلبوا المغفرة منه؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية.

قوله تعالى: {إن الله غفور رحيم}؛ هذه الجملة تعليل للأمر؛ أي استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يُستغفَر؛ فإنه -سبحانه وتعالى- غفور رحيم.

وفي هذه الآية الحث على الاستغفار، قال ابن سعدي -رحمه الله-: "وهكذا ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه، وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، ورد الفعل، كما أن الأول، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر". وهكذا علمنا النبي-صلى الله عليه وسلم- أن نستغفر الله في عقب كل صلاة مفروضة، وهكذا.. فعلى المسلم أن يحرص على الاستغفار في نهاية كل عمل.

ذكر الله في كل مكان وزمان:

قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} أي أنهيتم مناسككم؛ وذلك بالتحلل من النسك.

قوله تعالى: {فاذكروا الله} أمر تعالى بذكره بعد فراغ النسك؛ لأن الإنسان إذا فرغ من العبادة قد يغفل عن ذكر الله.

قوله: {كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً}؛ أي كما تذكرون آباءكم، أو أشد ذكراً؛ وأشد يشمل الشدة في الهيئة، وحضور القلب، والإخلاص؛ والشدةَ في الكثرة أيضاً؛ فيذكر الله ذكراً كثيراً، ويذكره ذكراً قوياً مع حضور القلب.

وقوله: {كذكركم آباءكم}؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يذكرون أمجاد آبائهم إذا انتهوا من المناسك؛ وكل يفخر بنسبه، وحسبه؛ فأمر الله تعالى أن نذكره -سبحانه وتعالى- كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً.

وقوله: {أو أشد ذكراً} قال كثير من النحويين: إن {أو} بمعنى: بل أي بل أشد وهو هنا متوجِّه؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} سورة الصافات(147)؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى: {أو يزيدون} أن أو هنا ليست بمعنى "بل"؛ ولكنها لتحقيق ما سبق -يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم -إن لم يزد فلا ينقص-؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى "بل" تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء.

مطالب الناس تتفق، ومقاصدهم تختلف:

لقد أخبرنا الله –تعالى- عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف؛ فمنهم: {مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} أي يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب، لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا.

ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم، وهماتهم ونياتهم، جزاء دائرا بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه، وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع، مسلما أو كافرا، أو فاسقا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه، دليلا على محبته له وقربه منه، إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين.

الحسنة المطلوبة في الدنيا والحسنة المطلوبة في الآخرة:

الحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة.

وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من الدعاء به، والحث عليه5.

جزاء من دعا بهذا الدعاء:

يقول تعالى: {أولئك} الداعون بهذا الدعاء: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. {والله سريع الحساب} مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها.

أيام منى (التشريق):

قوله: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}؛ يأمر تعالى كذلك بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد، لمزيتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها، ولكون الناس أضيافاً لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله)6.

ويدخل في ذكر الله فيها: ذكره عند رمي الجمار، وعند الذبح، والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق، كالعشر، وليس ببعيد.

قوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} أي خرج من "منى" ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ} بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}؛ وهذا تخفيف من الله –تعالى- على عباده، في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالمتأخر أفضل، لأنه أكثر عبادة.

ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: {لِمَنِ اتَّقَى} أي اتقى الله في جميع أموره، وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء، كان الجزاء من جنس العمل.

ثم ختم الله آيات الحج بالحث على تقواه؛ فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، وما أكثر ما يأمر الله -سبحانه وتعالى- بالتقوى في كتابه العزيز؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله -عزّ وجلّ- بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.

اتقوه؛ لأنكم إليه صائرون، لقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه، وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله، فلهذا حث تعالى على العلم بذلك7. والله الموفق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


1 رواه النسائي وأحمد من حديث جابر بن عبد الله، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (7882). وفي عدد من كتبه.

2 سبق تخريجه.

3 أخرجه البخاري ومسلم.

4 رواه البخاري.

5 كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه.

6 رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (2689). ورواه مسلم بدون لفظ: (وذكر لله) من حديث نبيشة.

7 راجع: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان(90- 93) لابن السعدي. تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق. الناشر : مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى (1420هـ). وتفسير ابن عثمين، المجلد الثاني. والتفسير الميسر (1/ 210- 217) لعدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. وأيسر التفاسير(1/90- 94). لأبي بكر الجزائري.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01041