Share |

دروس / السيرة

 

معركة مؤتة

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

ففي جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة1 بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحارث بن عمير الأزدي -أحد بني لِهْب- بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم وقيل: إلى ملك بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطاً ثم قدَّمه فضرب عنقه2، فكان هذا سبباً لغزوة مؤتة، فما إن وصل الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى غضب وأرسل هذه السرية إلى مؤتة، وهي موضع بأطراف الشام في أرض البلقاء3، وكان عدد الجيش الإسلامي ثلاثة آلاف مقاتل4، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: (إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبدالله بن رواحة) فتجهز الناس، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسلموا عليهم، فبكى عبد الله بن رواحة، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا}(71) سورة مريم، فلست أدري كيف لي بالصدَر بعد الورود؟، فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:

 

لكنني أسأل الرحمن مغفرةً           وضربةً ذات فرغٍ تقذف الزبد5
أو طعنةً بيدي حرَّان مجهزةً             بحربة تنفذ الأحشاءَ والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي:
      يا أرشد الله من غازٍ وقد رشد6

 

ثم إن القوم تهيئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فودعه ثم قال:

 

أنت الرسول فمن يحرمْ نوافلَه    والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن    في المرسلين ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلةً
   فراسة خالفت فيك الذي نظرو7

 

ثم مضوا حتى نزلوا مَعَان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء، في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخْم وجُذام وبَلْقَين وبَهْرَاء وبلِّي مائة ألف، عليهم رجل من بلِّي يقال له: مالك بن رافلة، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له8.

 

غير أن القائد العظيم الذي اختاره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- كان شجاعاً تواقاً للحِمَام في سبيل الله راجياً أن تخرج نفسه من بين جنبيه، قام فشجع الناس، فقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله، فانطلقوا؛ فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظفر وإما شهادة9.

 

فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع، فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها فتعبَّأ المسلمون، ثم اقتتلوا والراية في يد زيد بن حارثة، فلم يزل يقاتل بها حتى شاط -هلك- في رماح القوم وخر صريعًا، وأخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها، وكان يقول:

 

ياحبذا الجـنة واقترابها * طيبة وبارد شـرابها

والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها

علي إن لاقيتها ضرابها

 

ثم قاتل حتى قتل -فكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام عند القتال-، فقطعت يمينه فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره فاحتضن الراية، حتى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ويقول:

 

أقسمت يا نفـس لتنزلنَّه *** لتنزلنَّ أو لتكـرهنَّه

إن أجلب الناس وشدوا الرنَّة *** مالي أراك تكرهين الجنَّة!

قد طال ما قد كنت مطمئنَّة *** هل أنت إلا نطفة في شنَّة

وقال أيضاً:      

يا نفس إن لا تقتلي تمـوتي *** هذا حِمام الموت قد صليتِ

وما تمنيت فقد أعطيتِ *** إن تفعلـي فعلَهما هديتِ

 

 يريد صاحبيه زيداً وجعفرًا، ثم نزل فأتاه ابن عم له بعِرْقٍ من لحم، فقال: شد بها صلبك؛ فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذها من يده، فانتهس منها نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا؟، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم -أخو بني عجلان- فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاش بهم ثم انحاز بالمسلمين وانصرف بالناس10.

 

وفي هذه الأثناء وقبل أن يأتي خبر المجاهدين، والقادة الشهداء نعى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قادته الثلاثة كما روى البخاري رحمه الله ذلك عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ) -وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ- (حَتَّى أَخَذَها سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)11.

كانت معركة محتدمة شديدة على المسلمين؛ لكثرة عدد الخصوم، وقلة المجاهدين، ومع ذلك فإن نفوسهم أبية شمرت سواعدها في سبيل الله، وأخذت بأعنة أفراسها تجالد المشركين، وتجاهد لنصرة الدين، ولما اشتدت بهم

 

الحرب، وحمي عليهم وطيسها، كان القرار بالانحياز رجعةً إلى المدينة بحيلة منتدبة من قبل الفارس الخطير والقائد العبقري خالد بن الوليد -رضي الله عنه-.

وقد روي أنه بات خالد فلما أصبح وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته، أنكر الأعداء ما كانوا يعرفون من رايات وهيئة المسلمين، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا، فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم12، ومن شدة البلاء وكثرة الضرب انكسرت في يد خالد تسعة أسياف، ولم يبقَ في يده إلا صفيحة يمانية13.

ولما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه، ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر.

 

فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه، فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فُرَّار فررتم في سبيل الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ليسوا بالفُرار ولكنهم الكُرَّار إن شاء الله -عز وجل-)14.

نعم هم الكُرَّار في سبيل الله. وقد يتوهم التعارض بين كيفية انحياز المسلمين يوم مؤتة، وكيفية فتح الله على خالد، السؤال الأول يشير إلى فرارهم وهزيمتهم، والثاني يشير إلى نصر وفتح من الله؟.

والجواب أنه يمكن الجمع بأن يكونوا هزموا جانبًا من المشركين، وخشي خالد أن يتكاثر الكفار عليهم، فقد قيل: أنهم كانوا أكثر من مائة ألف، فانحاز بهم حتى رجع بهم إلى المدينة15.

وقال العماد بن كثير: يمكن الجمع بأن خالداً لما جاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر كما تقدم، وتوهم العدو أنهم قد جاء لهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذٍ فولوا فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى16.

 

قالت أسماء بنت عميس -رضي الله تعالى عنها-: دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أصيب جعفر وأصحابه فقال: (ائتني ببني جعفر)، فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: (نعم أصيبوا هذا اليوم)، قالت: فقمت أصيح واجتمع إليَّ النساء، وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهله فقال: (لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم)17.

ما يستفاد من هذه الوقعة:

أما هذه الوقعة ففيها من الفوائد الشيء الكثير، وذلك لكثرة ما وقع فيها من أحداث وأمور تستدعي النظر والتأمل، فمن ذلك:

1.    في تأمير النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلاثة جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب18.

2.    وفي تولي خالد -رضي الله عنه- جواز التأمر في الحرب بغير تأمير، وقد أقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك19.

3.    وأيضاً يستفاد أن من يعيَّن لولاية وتعذرت مراجعة الإمام أن الولاية تثبت لذلك المعين شرعا وتجب طاعته حكم20.

4.    جواز الاجتهاد في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-21.

5.     في الإخبار باستشهاد القادة الثلاثة جواز الإعلام بموت الميت ولا يكون ذلك من النعي المنهي عنه.

6.     إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بما وقع في المعركة من الشهداء دلالة واضحة ومعجزة بينة على نبوته -عليه الصلاة والسلام-.

7.    أرانا النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف يكون الحزن الذي يخلو عن النياحة والنعي، فقد ذرفت عيناه وهو يقص الخبر لمن بقي في المدينة من الصحابة -رضي الله عنهم-.

8.    مواقف الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- وحبهم للشهادة قدوة عظيمة، وباعث كبير للتضحية في سبيل الله، فماذا بعد أن يجود المرء بنفسه رخيصة!.

9.    استحباب صنع الطعام وتقديمه لأهل الميت والتكافل معهم ومواساتهم، لا كما يُصنع اليوم في كثير من البلدان حيث يقوم بإصلاح الطعام أهل الميت فيكلفون مالاً وهم في حزنهم ومصيبتهم، وهذا كله مخالف للشرع المطهر.

10.      ما قام به ثابت بن أقرم -رضي الله عنه- من أخذ الراية بعد استشهاد ابن رواحة أمر عظيم في تحمل المسؤولية وأداء الواجب حيث لا قائم به، وبعد ذلك من رأى في نفسه عدم الأهلية يعطي القوس باريها، ولم يكن ثابت عاجزاً عن تحمل قيادة المسلمين يومئذ وهو ممن حضر بدراً، ولكنه رأى من الظلم أن يتولى عملاً وفي المسلمين من هو أجدر منه به، حتى ولو لم يمض على إسلامه أكثر من ثلاثة أشهر؛ لأن الغاية هي السعي لتنفيذ أوامر الله على الوجه الأحسن والطريقة المثلى، وإن كثيراً ممن يتزعمون قيادة الدعوة الإسلامية اليوم يضعون العراقيل أمام الطاقات الجديدة، والقدرات الفذة خوفاً على مكانتهم القيادية، وامتيازاتهم الشخصية، وفي هذا موعظة وبلاغ لكل عامل في حقل الدعوة إلى الله22.

11.      موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في حماية القادة والذين لهم سابقة في العمل للدين، قدوة عظمى، وذلك أن المسلمين كانوا قد أظهروا اللوم والشماتة في أهل مؤتة حين فروا، فتولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدفاع عنهم بنفسه، وحاله:

 

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمُ       من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدّو23

 

لئلا يتعرضوا للإهانة بسبب الأخطاء التي قد تقع منهم فهم بشر معرضون للخطأ، ولهذا فإن الأمة التي لا تقدر رجالها ولا تحترمهم لا يمكن أن يقوم فيها نظام، ولا أن يكون لها شأن، ولا أن تستحق النصر، لهذا الهدف ذاته قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هل أنتم تاركون لي أمرائي).

12.   جواز ذبح الحيوان خشية أن ينتفع به الأعداء كما ذهب إلى هذا بعض الفقهاء، أخذاً مما فعله ابن رواحة -رضي الله عنه- حين نحر خيله.

وغير ذلك من الفوائد، فحياة الصحابة رضوان الله عليهم ثرية الفوائد غزيرة العبر، مما جعل الأئمة من بعدهم يحرصون على تقييد كلامهم حتى في سائر مجالسهم فرضي الله عن الصحابة ورحم الله الأئمة العلماء، وصلى الله على نبيه وسلم.

 


 

1 سيرة ابن هشام: (2/373).

2 زاد المعاد لابن القيم: (3/336).

3 السيرة النبوية لابن كثير: (3/455)، عيون الأثر لابن سيد الناس: (2/165).

4 سيرة ابن هشام: (2/ 373)، مغازي الواقدي: (1/756).

5 ذات فرغٍ أي: ذات سعة، والزبد: رغوة الدم.

6 سيرة ابن هشام: (2/373)، زاد المعاد لابن القيم: (3/336).

7 سيرة ابن هشام: (2/373).

8 المصدر السابق.

9 زاد المعاد: (3/336)، والسيرة النبوية لابن كثير: (3/459).

10 زاد المعاد: (3/336)، والسيرة النبوية لابن كثير: (3/462).

11 صحيح البخاري: (3474).

12 مغازي الواقدي: (1/764).

13 صحيح البخاري: (3932).

14 السيرة النبوية لابن كثير: (3/469).

15 فتح الباري لابن حجر: (12/76).

16 فتح الباري لابن حجر: (12/76).

17 سيرة ابن هشام: (2/380)، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: (6/153).

18 فتح الباري لابن حجر: (12/76).

19 المرجع السابق: (12/76).

20 المرجع السابق: (9/304).

21 المرجع السابق: (12/76).

22 السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للصلابي: (740-741) بتصرف.

23 أمالي القالي: (1/186).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01376