Share |

بحوث ومقالات / بحوث

لله درّ الحسد

لله درّ الحسد !! ؟؟

عبد الله السعدي الزهراني

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمد عبده ورسوله .

عندما تضيق النفس وتهتز أركانها وتضطرب خوافقها يحن بني آدم لعناية خاصة تهرع لنجدته وإنقاذه مما ألم به ، فكم نحن في حاجة أن يمن علينا خالقنا وبارؤنا بفيض الإيمان ونور المعرفة ، فمن حكمة الله جل في علاه أن تتنوع فترات حياتنا في هذه الدنيا البالية الفانية ، فلا فرح يدوم ولا ترح يطول فلكل أجل يوم محتوم فإن دامت صحة البدن فلا محالة من هدم وتغير وضعف وخور فمن على سطح تسير إلى قبر تصير فسبحان من دام وجوده ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا مولدا. هو الذي قسم أعضائك ، وخص كل عضو بعمل وجعل العقل لها أميرا ، والقلب لها وزيرا ، واللسان لها أمينا ، إما خيرا فيؤجر ، أو شرا فيؤزر ، وإليك من حديث معاذ بن جبل ما قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس على وجوههم أو قال مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح. قدر لهذه الأعضاء مقادير الصحة والمرض والزوال والقدم والحياة قبل العدم، فإليك بعض ما يعتريها من تغير يجر إليها الهدم ويورث لها الندم .

فالقلب وزير العقل قد يمرض بأمراض حسية دواؤها عند أهل الطب بإذن الله وقد يمرض بأمراض أخرى ، لا تظهر للعيان بل هي خافية في الجنان ،( كالشرك ، النفاق ، الحسد ، الغل ، الحقد ، العجب ، الكبر، التعالي ، الكذب ، النميمة ، الرياء .. وما أكثر أمراضه)، ليس لها دواء إلا بذكر الله تعالى . {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (28) سورة الرعد  ).

وربنا ذكر بعض أمراض القلوب إذا حجب الله عنها بهجة الإيمان وحرمت لذته!!. - يكون المرض نتيجة لإ فترائهم الكذب على الله وعلى رسله . قال تعالى :( فِي قُلُوبهمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10). - يكون المرض نتيجة لسوء أعمالهم البعيدة عن طاعة الله عز وجل . قال تعالى : ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين:14). وقال تعالى : ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:7). ) - ¬- يكون المرض نتيجة الغفلة والإبتعاد عن ذكر الله تعالى . قال تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) النحل:108) . وقال تعالى :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر: 19 ) وقال تعالى : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24) .

 فالنتيجة عظيمه وقاسية لهذه الأعمال:

- الطبع ُ ( أولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ).

- الختم ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ).

- القفـل (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

وردعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكته سوداء في قلبه ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه ، فذلك الران الذي ذكر الله :(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فأخبر صلى الله عليه وسلم إن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلقتها أتاها حين إذن الختم من قبل الله تعالى والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر عنها مخلص . ورد عن أبي هريرة أنه قال : قال صلى الله عليه وسلم :( إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع وأستغفر وتاب صقل قلبه ، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكر الله تعالى : ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) . تفسير الطبري . قال حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأي قلب اشربها نكت فيه نكته سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين ، أبيض مثل الصفا فلا تضره مادامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مربادا ، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، إلا ما أشرب من هواه ) رواه مسلم .

 فما هي الأمراض التي تعتري قلوبنا فتقسيها وتحطمها وتفسدها وتحرمها لذة الرضا بما قسم لنا فاطرنا وبارؤنا جل في علاه ؟؟.

 إنها نوعان !! :

أ – عضوية كالضغط ، التصلب ،الآلام على إختلافها ، ومعلوم أن علاجها بالعقاقير والأدوية أو بالتدخل الجراحي أحيانا وقد تشفى بإذن ربها تعالى بعد ذلك .

ب- معنوي كالحقد ، البغضاء ، الكبر ، الكراهية ، الحسد ،الضيق النفسي ، وهذه علاجها بذكر الله ، وبذكر الله فقط . بل إن هذه الأمراض التي تصيب القلوب وليس لها علاج إلا بذكر الله أخطر بكثير من الأمراض التي لها علاج عند أهل الطب .

أيهما أخطر مرض صمام القلب أم النفاق ؟؟ صدقوني النفاق أخطر – الحسد أخطر ، الحقد أخطر....ذلك لأن أمراض القلوب الحسية أقصى ما تفعله أن تذهب بدنياك . أما أمراض القلوب المعنوية ، (كالحسد والنفاق والغل .. ) فتذهب بدنياك وآخرتك .

وليكن كلامي هنا عن مرض واحد فقط خطير من هذه الأمراض ألا وهو مرض الحسد. ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، أو قال العشب ) رواه أبو داود . وأي خسارة بعد هذا ؟؟ وأي مكسب بعد ذهاب حسناتك ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 89،88). فالحسد مرض نفسي خطير له آثاره السيئة تلحق الحاسد فتؤثر في علاقاته الإجتماعية فتحطمها ويعيش من أبتلي بالحسد ضنك وضيق ما بقي هذا الداء بين جوانحه، ولم يسع في علاجه ، وهو مرض قلبي وعدّه بعض العلماء من الكبائر . ضرره على الحاسد في الدين والدنيا .

-       ففي الدنيا : يشعل نار البغضاء ، يرفع راية العداوة بين الأقرباء والأصدقاء، يمنع المساعدة والمعاونة بين الحاسد والمحسود ، يقسي قلب الحاسد فيكون شرس الطبع يبغي لغيره السوء ويكره له الخير ، والحاسد ساخط على قضاء الله وقدره ، وهو مبغض لعدل الله وغاش لعباد الله المؤمنين وفوق هذا مشارك لإبليس في حسده لآدم ومعصيته لربه ومع هذا فهو معذب لنفسه ويعيش في هم وغم وغيض وكمد ونغص عيش وضيق صدر الحاسد.

-        ويضر صاحبه لأن الحاسد لا يبقى مسرورا – والعياذ بالله – فهذا (الرجل أو المرأة) كلما رأى نعمة من الله على غيره زاد هما وغما .

-       أنظر إلى إبليس كيف ضره حسده فأخرجه من الجنة ولكن أذاه تعدى إلى غيره وهو أبينا آدم ولحقنا أثره . والحاسد في الغالب تحدث منه معاص كالعدوان على الغير، المخاصمة ، نشر المصائب والمعائب بالقول والفعل وغيره .

-       يقول المتنبي : إن يحسدوني على موتي فوا أسفا              حتى من الموت لم أخلو من الحسد

- وفي الدين: يضيّع صلاح قلب العبد ويأكل شيئا كثيرا من الحسنات ، ويشغله عن طاعة ربه ويشغل قلب صاحبه عن دعاء ربه ، والتضرع إليه وشكره على نعمه عليه في نفسه وماله وأهله ، ويأكل حسناته كأكل النار الهشيم من الحطب أو العشب . فيا ترى من هو زعيم الحسد ورافع رايته ؟؟!!. إنه " إبليس " !! عليه غضب الله ، فهو أول من عصى ربه به في السماء وبين يدي مولاه قال تعالى :( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) البقرة 34. - فالحسد أول ذنب عصى الله به في السماء !!. فإبليس نشأ في بيئة كلها نعمة وفي جوار مالك النعم ومع ذلك لم يرضى إبليس بحاله وإن كان في نعمة من ربه بل تطاول وأعتز وتكبر ولم يرض بما كتب له ربه فحرم الخير كله وطرد ولعن فلم يتب و يرجع بل عاند وكابر وتوعد بأن يزيل نعمة ربه عن آدم فلا يرضى إلا بمشاركته في الطرد وتقاسم الويل والثبور معه في نار جهنم . - فهو زعيم الحساد بلا منازع ومن حسده طلب أن يبقى إلى يوم البعث في مرتبة زعامته والتفنن في نشر شره لبني آدم إلى قيام الأشهاد فمعركته مستمرة إلى قيام الساعة وأعوانه كثر من الجن والإنس ، قال تعالى : ( قَالَ أَنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) (لأعراف:15) ورخص له في المشاركة في الأموال والأولاد قال تعالى : ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً) (الاسراء:64) .

- والحمد لله أن استفزازه وجلبه بخيله ورجله ومشاركته ووعده لفئة من جنسه ولهم صله به وسلم منه طائفة من الصالحين كما. قال تعالى : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الحجر:42) قال تعالى : (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (الحجر:40) . قال تعالى : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) (الاسراء:65)

- وو رد عنه صلى الله عليه وسلم : (أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) أو كما قال عليه السلام . فالله المستعان .

- أول ذنب عصى الله به في الأرض : قال تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة:27).

- من خصال إليهود :(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء:54) .

 ماهوالحسد يا ترى ؟؟:

الحسد أصله في اللغة : - القشر .. مأخوذ من الحسدل وهو القراد ، فالحسد يقشر القلب كما يقشر القراد الجلد ويمص دمه .

- كما أن الحسد صفة المنافق والكافر فالمنافق يحسد .

- أما المؤمن فصفته الغبطة .

 الحسد في الشرع :

 1- تمني زوال نعمة الله عز وجل عن الغير أي أن يتمنى أن يوقف الله نعمته عن الآخرين سواء كانت هذه النعم مالا أو جاها أو علما أو غير ذلك.

2- أن تكره النعمة التي أنعم الله بها على غيرك وتحب زوالها ، ولو مكنت منها لأزلتها.

قال ابن تيمية: كراهة ما أنعم الله به على الغير وإن لم يتمنى الزوال ، وهذا تعبير من الشيخ دقيق ، فأنت مجرد ما تكره أن الله أنعم على هذا الرجل أو هذه المرأة بنعمة فأنت حاسد.

أنظر إلى حسد أهل الكتاب من إليهود والنصارى وكذلك المشركين والذي أخبرنا الله به وفضحهم بنواياهم الخبيثة، خذ ذلك من كتاب الله تعالى .

الآيات : قال تعالى : ( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (البقرة:105) . قال تعالى : ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) (القلم:51) قال تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:109) قال تعالى : ( وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (آل عمران:69) قال تعالى : ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء:54) قال تعالى :( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (المائدة:28) قال تعالى : ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ) (يوسف:9) وصية ربنا جل في علاه بالتعوذ والإلتجاء إليه من شر كل ذي شر ومنهم إبليس وأعوانه من الحساد .

قال تعالى : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف:200) قال تعالى : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:36) قال تعالى : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ* وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ*وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (الفلق:5) ثم يأتي بعد كتاب ربنا سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيحذرنا في جملة من النصائح والإرشادات النبوية ويبين لنا أن الحسد هو داء قديم في أمم قد سبقت فهلكت وأصبحت عظه لنا وعبرة .

الآحاديث:

 1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا) البخاري.

 2- ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( دب اليكم داء الأمم من قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لاحالقة الشعر . والذي نفس محمد بيده لاتؤمنوا حتى تحابوا أولا أونبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ) رواه أحمد.

 3- وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال العشب ) رواه أبو داود .

 4- وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( دب اليكم داء الأمم : الحسد والبغضاء وهي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم ؟ أفشوا السلام بينكم ) رواه الإمام أحمد والترمذي.

 5- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لايجتمعان في النار مسلم قتل كافرا ، ثم سدد وقارب ، ولا يجتمعان في جوف مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم ، ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد ) صحيح النسائي.

 6- وعن ضمرة بن ثعلبه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا ) رواته ثقات فما هي دواعي الحسد؟؟!! .

1- بغض المحسود .. فيأسى عليه بفضيلة تظهر أو منقبة تشكر فيثير حسدا قد خامر بغضا وهذا النوع لا يكون عاما وإن كان أضرها لأنه ليس يبغض كل الناس .

 2- العداوة والبغضاء .فالحسد ثمرة الحقد والحسد ابن البغضاء .

 3- الكبر وسوء الخلق من قبل المنعم عليه ، فهذا مما يسبب تسلط الناس عليه مثال : ( حسد القرشيين لنبينا كيف يكون يتيما ويصبح نبيا ، كيف ينزل عليه القران ليس له جاه فحكى الله عنهم وفضح حسدهم بقوله تعالى :( وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم) الزخرف 31.

 4- الخوف من فوات المقاصد ( كحسد الضرائر لبعضهن البعض – الأخوة فيما بنهم – التلاميذ فيما بينهم ).

 5- أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه فيكره تقدمه فيه ، و اختصاصه به فيثير ذلك حسدا لولاه لكف عنه ، وهذا أوسطها ، لأنه لا يحسد من الأكفاء من دنا ، إنما يختص بحسده من علا ، وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها مع عجز فلذلك صارت حسدا..

يا حاسدا لي على نعمـة أتدري على من أسأت الأدب

 أسأت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهـب

فأخزاك ربي بأن زادنـي وســد عليك وجوه الطلب

 6- أن يكون في الحاسد شح بالفضائل ، وبخل بالنعم وليست إليه فيمتنع منها ولا بيده فيرفع عنها ، لأنها مواهب قد منحها الله من شاء فيسخط على الله عز وجل في قضائه ويحسد على ما منح من عطائه وإن كانت نعم الله عنده أكثر ومنحه عليه أظهر وهذا النوع من الحسد أعمها وأخبثها ، إذ ليس لصاحبه راحة ، ولا لرضاه غاية ...

 7- الجهل بعواقب الحسد .

 8- ضعف الإيمان .

9- حب الرئاسة والجاه .

 10- شح النفس بالخير على عباد الله .

 11- الخوف من سقوط المنزلة إذا ارتفعت مكانة قرنه.

 12- ظهور النعمة وتحدث الناس بها ، لهذا يكثر الحسد في القرى أكثر من غيرها ، لأن النعم تبرز وتظهر فيها أكثر من غيرها. مراتب الحسد.

ينقسم الناس في الحسد إلى :

 1- من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل.

 2- من يسعى في نقل تلك النعمة إلى نفسه.

 3- من يسعى في إزالة النعمة عن المحسود فقط من غير نقلها إلى نفسه ، وهو أشرها وأخبثها وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه وهو كان ذنب إبليس حين حسد آدم عليه السلام لما رأى أنه قد فاقه على الملائكة بأن( خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء ، وأسكنه في جواره) ففتنه حتى أخرجه من الجنة تجانب الحرص ودع عنك الحسد ففيهما الذل وإتعاب الجسد وورد أن إبليس قال لنوح : ( إثنان بهما اهلك بني آدم : "" الحسد "" ، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما ، ""والحرص "" وبالحرص أبيح آدم الجنة كلها ، فأصبت حاجتي منه بالحرص .. خرجه ابن أبي الدنيا.

 4- وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره لم يعمل بمقتضى حسده ولم يبغي على المحسود بقول ولا فعل ،أقل إثما من الحسد.

 5- قسم إذا حسد لم يتمنى زوال نعمة المحسود بل يسعى في اكتساب مثل فضائله ويتمنى أن يكون مثله .

 - فإن كانت الفضائل دنيوية فلا خير في ذلك .

كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا :(يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ) القصص 79 .

- وإن كانت فضائل دينية فهو حسن . فقد تمنى الرسول – صلى الله عليه وسلم – الشهادة في سبيل الله أو كما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين : (رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقض بها ويعلمها بين الناس ) رواه البخاري ، وهذا هو حسد الغبطة وسمي حسدا من باب الاستعارة.

 6- قسم إذا وجد من نفسه الحسد سعى في إزالته وفي الإحسان إلى المحسود بإسناد الإحسان إليه والدعاء له ونشر فضائله حتى يكون له محبة في قلبه وحتى يكون أخوه المسلم خير منه وأفضل وهذا من أعلى درجات الإيمان وصاحبه هو المؤمن الكامل( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) رواه البخاري ومسلم .

 7-قسم يتمنى أن يفوق غيره – فهذا جائز وليس حسد .

 8- قسم يكره نعمة الله عز وجل على غيره ولكن لا يسعى في تنزيل رتبة الذي أنعم عليه الله عز و جل ومع مدافعة الحسد ، فهذا لا يضره ولكن غيره أكمل منه .

بعض الآثار وأقوال العلماء الواردة في الحسد:

 1- قال عمر بن الخطاب : ( ما كانت نعمة الله على أحد إلا وجه لها حاسد).

 2- قال معاوية: ( ليس في خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود ) ، وقال أيضا : (كل استطيع أن أرضيه إلا الحاسد فلا يرضيه إلا زوال نعمة الله عني ) .

 3- قال ابن المعتز : ( الحسد داء الجسد ).

 4- وقال آخر : ( يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك ).

 5- قال عبد الحميد الكاتب: ( الحسود كساقي السم ، فإن سرى سمه زال همه ).

 6- وقال أيضا : ( أسد تقاربه ، خير من حسود تراقبه ).

الفرق بين الحسد و البخل:

 البخل والحسد مشتركان في أن صاحبهما يريد منع النعمة عن الغير ، ثم يتميز البخيل بعدم الدفع لذي نعمة شيئا ، والحاسد يتمنى ألا يعطى أحد سواه شيئا.

 الفرق بين الحسد والغبطة . تمني الإنسان أن يكون له من الذي لغيره من غير إرادة إذهاب ما لغيره ، أما الحسد فهو إرادة زوال نعمة الغير ، الغبطة صفة المؤمن ، والحسد صفة المنافق .

 الفرق بين الحسد والمنافسة . المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم ، الحسد مصروف لأن غايته أن يعدم الأفاضل فضلهم من غير أن يصير الفضل له .

القصص:

1- ما رواه النسائي وابن ماجة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة ، فما لبث أن لبط به فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : أدرك سهلا صريعا فقال : من تتهمون؟ قالوا عامر بن ربيعة ‘ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة ) ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخله إزاره وأمره أن يصب عليه وفي لفظ يكفأ الإناء من خلفه .

 2- كان رجل يغشى الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه ، فإن المسيء سيكفيكه إساءته . فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك فقال : إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر ، فقال الملك وكيف يصح ذلك عندي ؟ قال : تدعوه إليك ، فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر ، فقال أنصرف حتى أنظر . فخرج من عند الملك فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادته فقال : أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته ، فقال له الملك : أدن مني ، فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم ، فقال الملك في نفسه : ما أرى فلانا إلا قد صدق !! قال : وكان الملك لا يكتب بخطه إلا صلة أو جائزة ، فكتب له كتابا بخطه إلى عامل من عماله : إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه وأسلخه واحش جلده تبنا وابعث به إليّ .. فأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به فقال : ما هذا الكتاب ؟؟ فقال : خط الملك لي بصلة ، قال هبه لي ، قال: هو لك . فأخذه ومضى به إلى العامل ، فقال العامل : في كتابك أن أذبحك وأسلخك ، قال إن الكتاب ليس لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك ، فقال العامل : ليس لكتاب الملك مراجعة ، فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنا وبعث به ، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته ، وقال مثل قوله . فعجب الملك وقال : ما فعل الكتاب ؟ فقال الرجل : لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له ، قال الملك : إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر ، قال ما قلت ذلك !! قال الملك : فلم وضعت يدك على فيك ؟؟ قال : لأنه أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهت أن تشمه ، قال الملك : صدقت ، ارجع إلى مكانك فقد كفى المسئ إساءته.

 3- كان هناك رجل وكان له جار لديه مالا كثيرا فحسده على ما وهبه الله من ذلك المال ، ففكر كيف يزول هذا المال ؟؟ فذهب إلى رجل حاسد صاحب عين فطلب منه رؤية مال جاره ليتسبب في زواله ، فقال له انظر إلى مال جاري هذا يملاْ هذه الأودية ، ولحسن الحظ كان بصره ضعيف ، فقال الرجل العائن لذلك الرجل أولك من قوة النظر ما ترى به هذه الأنعام في هذه الأودية ؟؟ فأصيب بالعمى، قال الشاعر: ( لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله).

 4- سمع حاسد صوت شخيب لبن بقرة جاره وهو يحلبها من خلف الباب ، فطرق عليه بابه ففتح له وبادره هذا الحاسد بالسؤال أي البقرتين كنت تحلب ؟؟ فقال الرجل كلتيهما . فماتتا البقرتان كلتاهما .

 5- خرج رجل أعمى مع قائده ينتظر قدوم مسافر وطلب من الذي يبصر أن يرى القادم فذكر له أنه يراه من بعيد فقال هنئيا لك هذا البصر فرجعا وهما يقودهما آخر.

 أضرار الحسد:

 1- سخط الله على الحاسد.

 2- الحاسد يفارق الأنبياء والصالحين في الآخرة .

3- مشارك لإبليس والكفار .

 4- ينتفي عنه كمال الإيمان .

 5- ممقوتا من الناس في مجالسهم العامة والخاصة لا يحبونه ولا يظهروا أمامه نعمة .

 6- يقع في الغل والحقد والبغي والكذب و الإفتراء والنميمة والإستهزاء بالمحسود.

7- الكمد والغيض الذي لايفارقه .

قال الشاعر : اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله   فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله 

الوقاية من الحسد قبل وقوعه:

- التحصن بالأذكار ( الفاتحة – آية الكرسي – المعوذات وبعض الأذكار الواردة خلال اليوم من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

- ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال :( من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره ). - ستر محاسن من يخشى عليه العين .

- وللوقاية من حسد الجن وعورات بني آدم فقد روي عن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ستر مابين أعين الجن وعورات بني آدم أن يقول الرجل المسلم إذا أراد أن يطرح ثيابه :( باسم الله الذي لا إله إلا هو ) رواه ابن السني.

- و قال صلى الله عليه وسلم : (ستر مابين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول باسم الله ) رواه أحمد.

علاج الحسد:

 1- ورد في الحديث أنه : ( قيل يا رسول الله أي الناس افضل ؟ قال : ( كل مخموم القلب صدوق اللسان ، قالوا : صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب ؟ قال : هو التقي النقي ، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد) رواه ابن ماجة. 2- الرضا بقضاء الله وقدره ( ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس ).

3- علمنا نبينا أن ننظر في أمور الدنيا إلى من هو دوننا وأمور الآخر لمن هو فوقنا.

 4- تذكر الموت قال أبوالدرداء:(ما أكثر أحد من ذكر الموت إلا قل فرحه وقل حسده ).

 5- تفكر فإن الدنيا كالحية ناعم جلدها قاتل سمها.

 6- زيارات المستشفيات ( صدرية – نفسية – عنايات مركزة الخ...) لتستشعر ما أنعم به ربك عليك من سلامة رئتيك لتتنفس بيسر وسهولة ، وغير يكابد شبح الهلاك لكي يعيش ولكن بذلك الهواء الإصطناعي (الأوكسجين) فترى ذلك الجسم النحل ، تكاد تنكره ، لولا ذلك العقل الذي يخاطبك . على النقيض من ذلك ترى تلك الأجسام المفعمة بالصحة والخالية من العقول ، وأنت تتمتع بنعمة العقل وغيرك لا يدرك ما يصنع في حياته ويتصرف بلا وعي ولا إدراك ، بل لابد له ممن يقوم على رعايته والعناية به و إلا آذى نفسه ومن حوله دون أن يشعر أو يعيش في وضع نفسي تعيس يتجرع مرارة الاكتئاب والضيق النفسي ، وإذا لم يكسر حدة نفسك هذه المناظر ، فاذهب إلى تلك العنايات المركزة لترى تلك الأجساد البالية تنتظر خروج الروح بين لحظة وأخرى على نغمات تلك الأجهزة لتستوحي ما عسى أن يقدر الله لها من حياة أو موت ، فتقف مدهوشا متعجبا لتسمع وترى تلك الأشكال وهي في صعود وانخفاض ثم ذلك التوقف المفاجيء ليعلن رحيل تلك الروح بعد هذا المنظر الرهيب ، ألم يكسر حدة نفسك في حسد الآخرين .

 7- يجب عليك كلما رأيت أخاك في نعمة أن تقول ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ).

 8- لا تغفل عن تحصين نفسك بالأذكار الواردة عن حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

9- الإحسان إلى الحاسد ما أستطعت .

 10- أخذ النفس باللوم وقهرها بالندم حتى يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه.

 11- خشية الله وتخويفها ، عندما يطلق لنفسه العنان في تمني زوال نعمة الغير .

 12- أن يكون دائم الذكر لله عز وجل حتى يعينه على كبح جماح نفسه .

 13- أن يحرص ألا يؤذي أحدا بحسده مهما كان حاله .

14- إذا لم يستطع فليهجر البيئة و الصحبة التي تغريه بالإيذاء وتنفخ فيه أسباب الداء فالحسد داء عضال يجب الحرص في البعد عن أسبابه ومسبباته.

 الحاسد يعالج نفسه بأمور هي له حسم إن صادفها عزم :

 1- إتباع الدين في اجتناب الحسد وقد قيل ( اتخذ طاعة الله تجارة ، تأتيك الأرباح من غير تجارة ).

 2- أن يدرك أنه بحسده معترض على قضاء الله وقدره ، وناقم على ربه فيما قسم . قال الشاعر:

 كم جاهل يملك دورا وقرى                      وعالم يسكن بيتاً بالكـــرى

لمـــا قرأنا قوله سبحانه                         نحن قسمنا بينهم ، زال المرا

 3- أنه قد خرج من وصف المؤمنين بعدم حبه لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه.

 4- أنه تشبه بإبليس وبالكافرين عموما لأنهم لا يحبون الخير للمؤمنين .

 5- أن يستحضر أنه مبارز لله لأنه بحسده معادي مؤمنا والمؤمن من أولياء الله.

 6- على الحاسد أن يرحم نفسه من آثار الغم والهم ودوام النكد والكمد بل ربما قتله حسده .. ( لله در الحسد ما أعدله بدا بصاحبه فقتله ).

 7- أن يعلم أن الرافع الخافض هو الله وحده ولا مكره له ولا معقب لحكمه سبحانه.

 8- أنه إذا حسد فلن يضر محسودة بل ربما انتفع المحسود خاصة إذا خاض في عرضه وأكثر من غيبته .

 9- أن يعلم أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها و اجلها.

 10- أن يشغل نفسه بما يعود عليه بالنفع من ذكر وعباده .

 11- أن يتذكر عذاب الآخرة .

 12- مجاهدة النفس على ترك الحسد .

 13- الحرص على تقوى الله تعالى والمحافظة على الرقية الشرعية .

 14- أن يحفظ أوامر الله قال تعالى : ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران:120) ، قال صلى الله عليه وسلم (أحفظ الله يحفظك ) .

 15- التوبة ، والرجوع إلى الله تعالى ، والتمسك بدينه في آدابه ، وإتباع هدي نبيه و المحافظة على سنته قولا وعملا وإتباعا ما بقي حيا .

 16- العقل الذي يستقبح من آثار الحسد ما لا يرضاه.

 17- أن يستدفع ضرره ويتوقى أثره ، بمجاهدة نفسه في اجتنابه.

 قول ابن القيم في علاج الحسد يندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب :

- التعوذ بالله من شره والتحصن به واللجوء إليه .

- تقوى الله وحفظه عند نهيه وأمره فمن اتقى الله تولى حفظه ولم يكله إلى غيره.

- الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا،فما يضر عدوه الحاسد بمثل الصبر عليه .

 - التوكل على الله فمن توكل على الله فهو حسبه .

- فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه ويمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالتفكر فيه .

- الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته تشغل قلبه عن محسوده.

 - تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه من الحساد وغيرهم .

- الصدقة والإحسان ما أمكنه فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحسد فلم يحرس العبد بمثل شكر نعم الله عليه ولم يعرضها للزوال بمثل المعاصي .

- إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة ، وعليه شفقة قال تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) فصلت 34.

- والجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب هو التوحيد وأنها لاتضر ولا تنفع إلا بإذن الله تعالى : ( إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلاراد لفضله ) يونس 107 .

و أخيرا إذا ابتليت بنظرة حاسد فعليك بالعلاج بالرقية الشرعية وإياك واللجوء إلى الكهنة والعرافين والدجالين(كالاعتقاد في الخرز الأزرق ، أو تعليق التمائم الشركية ، أو تعليق الأحذية في السيارة أو البيت بزعم دفع الحسد ، وغير ذلك من الأمور، واجعل ناصيتك بيد الله ورجائك في الشفاء من ربك دون سواه وعليك بما ورد في شرعه والأخذ بالأسباب بمراجعة الرقى الشرعية المأخوذة من كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم المختصرة في بعض الكتب المتخصصة في هذا المجال .

 بعض الرقى الشرعية :

- تقرأ الفاتحة وتنفث في يديك وتمسح بها ما استطعت من جسدك .

- تقرأ المعوذات ( الإخلاص ، الفلق ، الناس ) وتنفث في يديك وتمسح بها ما استطعت من جسدك .

- تقرأ آية الكرسي وبخاصة في الصباح وعند النوم لتتحصن بها من الشيطان.

 - وهناك آيات كثيرة يجب الإطلاع عليها من خلال الكتب المتخصصة في الرقى من كتاب الله تعالى. أما سنة نبينا النبي صلى الله عليه وسلم فمنها قوله : (لا رقية إلا من عين أو حمة ) وقد كان جبريل يرقي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول :( باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد ، الله يشفيك ، باسم الله أرقيك).

 - رقية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ( بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك ، باسم الله أرقيك والله يشفيك ) مسلم.

- تعويذ الرسول صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين بقوله( أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة)البخاري.

 - وورد أمره لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه عندما شكى له وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال له صلى الله عليه وسلم : ( ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: ( بسم الله ثلاث مرات ) : ( أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) أخرجه مسلم .

1 - للمريض أن يقرأ على نفسه الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين وينفث في يده ويمسح بها وجهه وما استطاع من جسده.

 2- غسالة الحاسد ( وضوءه أو ما بقي من فضلة له ونحو ذلك ).

 3- إذا عرفته مره أن يغتسل أو يتوضأ ، ثم أغتسل أو أغسل المنظور بفضلة غسالة مائه بعد ذلك مع الاعتقاد بأن الشفاء بيد الله جل وعلا .

 4- إذا كنت محرج من طلب الاغتسال فحاول أن تقدم له خدمة كأن تقول له أنت ضيفي وسأوضئك بنفسي في مجلسك في إناء ثم تأخذ وضوئه وتغسل به المنظور. فلك في الصبر عزاء وفي البلاء جلاء وتمحيص للذنوب والخطايا ومضاعفة لثوابك وأجرك قال تعالى : ( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبهمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابهمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الحج:35) قال تعالى : (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17) التوكل على الله و العلم اليقيني أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وان هذا بقدر الله سبحانه وهو مكتوب عليك وعلى غيرك في هذا الكون الفسيح فالأمر مفروغ منه رفعت الأقلام وجفت الصحف . قال تعالى : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22) و قال تعالى : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبه وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التغابن:11) .

اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن القين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا أبدا ما أبقيتنا واجعله الوارث منا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا . . للهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخط . اللهم أنفع بهذه الكلمات ، وأمح بها عظيم السيئات ، وضاعف بها صغائر الحسنات ، لكاتبها وقارئها ومن حملها ونشرها وأوصى بقرائتها .. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه ومن أقتفى أثره إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01711