|
الأذان الأول لصلاة الجمعة
الأذان الأول لصلاة الجمعة
الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة
والسلام على خير خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه
الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الأذان لصلاة الجمعة كان في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر-رضي
الله عنهم- كان أذاناً واحداً- سوى الإقامة-، وكان يرفع حين يجلس الإمام على
المنبر؛ فلما كان عهد عثمان-رضي الله عنه- زاد أذاناً ثالثاً على الزوراء- وهي دار
أو موضع في سوق المدينة- حين كثر الناس، دل على ذلك حديث السائب بن يزيد- رضي الله
عنه-: إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في
عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان- رضي
الله عنه- وكثروا- أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت
الأمر على ذلك.
وقد اتفق جمهور الفقهاء على الأخذ بالأذان الذي زاده عثمان- رضي الله عنه- للجمعة،
وأنه سنة.
واستدلوا على ذلك بقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: (...
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).
واستدلوا بإجماع الصحابة حيث أن عثمان لما شرع الأذان وافقه سائر الصحابة بالسكوت
وعدم الإنكار، فصار إجماعاً سكوتي.
ويدل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث الآنف الذكر: فلم يعب الناس ذلك عليه،
وقد عابوا عليه حين أتم الصلاة بمنى.
ويرى بعض العلماء ترك الأذان الذي سنه عثمان، إما لأنه بدعة، أو لأن ما كان عليه
النبي –صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر- رضي الله عنهم- أولى، ومنهم الإمام
الشافعي والإمام الصنعاني.
ولعل الراجح- والله أعلم- هو القول الأول القائل بمشروعية الأذان الأول الذي سنه
عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.
وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بلد الحرمين.
وانتصر للقول بمشروعية الأذان الأول للجمعة العلامة ابن عثيمين- رحمه الله- في عدد
من كتبه، ومنها شرح رياض الصالحين، كتاب الفضائل، باب فضل الأذان(3/139- 140)
حيث قال: والجمعة لها أذان أول من سنة عثمان- رضي الله عنه-وهو أحد الخلفاء
الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم: قال بعض المتحذلقين الذين يدعون أنهم سلفيون
سنيون: إن أذان الجمعة الأول بدعة لا نقبله؛ لأنه بدعة لم يكن على عهد النبي –صلى
الله عليه وسلم-، وهذا القول منهم قدح للنبي –صلى الله عليه وسلم-، وقدح بالخلفاء
الراشدين، قدح بالصحابة- رضي الله عنهم-وهؤلاء المساكين وصلوا إلى هذا الحد من حيث
لا يعلمون، أما كونه قدحاً بالرسول- صلى الله عليه وسلم-فلأن النبي-صلى الله عليه
وسلم-قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين
من بعدي).
وبإجماع المسلمين أن عثمان من الخلفاء الراشدين، وأما كونه قدح بالخلفاء الراشدين
فلأنه قدح بعثمان- رضي الله عنه- وهو منهم، والقادح في واحد منهم قادح في الجميع،
كما أن المكذب للرسول الواحد مكذب بجميع الرسل، وأما كونه قدحاً في الصحابة، فلأن
الصحابة لم ينكروا على عثمان مع أنه لو أخطأ لأنكروا عليه كما أنكروا عليه الإتمام
في " منى" في الحج، لكن أذان الجمعة الأول لم ينكروا عليه، فهل هؤلاء المتحذلقون
المخالفون أعلم بشريعة الله ومقاصدها من الصحابة؟! لكن صدق رسول الله –صلى الله
عليه وسلم-: (إن آخر هذه الأمة يلعن أولها آخرها)-
والعياذ بالله- ويقدح فيهم، فالأذان الأول للجمعة أذان شرعي بإشارة النبي –صلى الله
عليه وسلم-، وسنة أمير المؤمنين عثمان- رضي الله عنه-، وبإجماع الصحابة الإجماع
السكوتي ولا عذر لأحد، وقطع الله لسان من يعترض على خلفاء هذه الأمة الراشدين وعلى
الصحابة.
قد
يقول قائل: لماذا لم يشرعه الرسول –صلى الله عليه وسلم- والجمعة موجودة في عهده؟
والجواب: أن السبب هو أن الناس في عهد عثمان كثروا
واتسعت المدينة واحتاجوا إلى أذان ينبههم يكون قبل الأذان الأخير الذي يكون عند
مجيء الإمام فكان من الحكمة أن يؤذن، وعثمان بنى على أساس فهاهو النبي –صلى الله
عليه وسلم- يأمر بلاللاً أن يؤذن بآخر الليل، لا لأن الصلاة حلت ولكن ليوقظ النائم،
ويرجع القائم، فهو مقصد شرعي، ولا إشكال في شرعية أذان الجمعة الأول، إذاً فالأذان
الأول ليوم الجمعة مشروع بسنة الخلفاء الراشدين، وإيماء سيد المرسلين محمد وإجماع
الصحابة الذين أدركوا هذ.
ولكن ينبغي أن يكون الأذان الأول لصلاة الجمعة الذي سنه عثمان بن عفان-رضي الله
عنه- قبل دخول الوقت؛ لأن عثمان سنه لإعلام الناس بأنه قد قرب وقت الصلاة فليستعدوا
وليتركوا ما هم عليه من العمل، وليتأهبوا للصلاة، وليحضروها قبل حضور الخطيب. والله
أعلم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
|