الأذان والإقامة لغير الصلوات

 

 

 

 

الأذان والإقامة لغير الصلوات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

نتحدث في هذا المقال عن الأذان والإقامة في غير الصلوات، هل له مواطن يشرع فيها، وسيتم بيان القول الصحيح من أقوال أهل العلم في ذلك، مع بيان الدليل؛ حيث صار مشهوراً بين الناس مشروعية الأذان والإقامة في مواطن قد لا يصح الاعتماد على بعضها لضعف الدليل أو عدمه.

ونبدأ هنا بذكر المواطن التي اشتهر فيها فعل الأذان والإقامة في غير الصلوات، فمن ذلك:

الأذان في أذُن المولود اليمنى عند ولادته، والإقامة في أذنه اليسرى، ومنها الأذان وقت الحريق ووقت الحرب، وخلف المسافر.

ومنها الأذان في أذن المهموم المصروع وللغضبان، ولمن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة، وإذا تغولت الغيلان، أي سحرة الجن والشياطين؛ وذلك لدفع شرها بالأذان، وعند إدخال الميت القبر.

أولاً: الأذان والإقامة في أذن المولود:

اختلف الفقهاء في مشروعية الأذان والإقامة في أذن المولود على قولين:

القول الأول:

أنه يستحب الأذان في أذن المولود، وزاد بعضهم والإقامة, فيؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في اليسرى، وهو قول متأخري الحنفية ومتأخري المالكية، وقول الشافعية والحنابلة1.

القول الثاني:

أنه يكره الأذان والإقامة في أذن المولود، وهو قول الإمام مالك.

وقد استدل القائلون بأنه يستحب بما يلي:

أولاً: من السنة:

1- حديث أبي رافع -رضي الله عنه- قال: “رأيت رسول الله   أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة”2.

2- حديث الحسين بن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله  : (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان)3.

ثانياً من الآثار:

ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا ولد له ولد أذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى4.

ثالثاً من المعقول:

1- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلمات الأذان المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي هي أول ما يدخل بها الإنسان في الإسلام، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه من الدني5.

2- هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو ما كان يرصده حتى يولد6.

3- أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله سابقة على تغيير الشيطان لها.7

 

ثانياً: الأذان إذا تغولت الغيلان:

الغيلان: جمع غول، وهي جنس من الجن والشياطين، والتغول: التلون، وتغولت الغول: تخيلت وتلونت8،

والغول في لغة العرب: الجان إذا تبدى في الليل9.

وقد ذكر بعض فقهاء الشافعية وتبعهم بعض متأخري الحنفية أنه يستحب الأذان إذا تغولت الغيلان، واستدلوا على ذلك بأدلة منها ما يلي:

أولاً: من السنة:

1- حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- عن رسول الله   قال: (إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان)10.

2- حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله   يقول: (إذا تغولت لكم الغيلان فأذنوا)11.

3- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله  : (إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان فإن الشيطان إذاسمع النداء أدبر وله حصاص)12.

ثانياً من الآثار:

1- عن سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان –رحمه الله- قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلامٌ لنا -أو صاحبٌ لنا- فناداه مناد من حائط باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم يرَ شيئاً، فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتاً فناد بالصلاة؛ فإني سمعت أبا هريرة –رضي الله عنه- يحدث عن رسول الله   أنه قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ)13، والحصاص أي: ضراط كما في الرواية الأخرى، وقيل الحصاص: شدة العدو14.

2- ما روي أن الغيلان ذكروا عند عمر -رضي الله عنه- فقال: “إن أحداً لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا”15.

وبهذا يعلم أن الأذان عند تغول الغيلان مستحب؛ وذلك لصحة بعض الأدلة الواردة في ذلك.

ثالثاً:مواطن في غير الصلوات لا يشرع لها الأذان:

معلوم أن الأذان شرع في الأصل للإعلام بالصلاة، ولا يشرع في غير الصلوات المفروضةإلا ما وردفيه نص صريح يفيد مشروعيته لغير الصلوات، ولم يرد إلا في موضعين، وهما الأذان في أذن المولود وعند تغول الغيلان على خلاف بين أهل العلم في ثبوت ذلك كما تقدم.

وقد توسع بعضهم فاستحبوا الأذان في مواضع أخرى لا أصل لها استئناساً وتبركاً، أو إزالة للهم، وهذه المواضع هي:

1- الأذان لمن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة, استناداً على ما روي عن الحسين بن علي-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله  : (من ساء خلقه من إنسان أو دابة فأذنوا في أذنيه). وهو أثر لا يصح16.

2- الأذان في أذن المهموم.

3- الأذان في أذن المصروع.

4- الأذان في أذن الغضبان.

5- خلف المسافر.

6- عند مزدحم الجيش.

7- لمن ضل الطريق في السفر.

8- عند إنزال الميت القبر.

9- الأذان عند ركوب البحر.

وكل ذلك مخالف للسنة المطهرة، ومما أحدث من البدع التي لا أصل لها، ومن استحب ذلك من الفقهاء إما أن يكون اعتمد على خبر لا يصح، أو قاسه على أصل مشروع، أو استحسنه، ومثل هذا لا يثبت إلا توقيف17.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لصالح العمل، وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


1  البحر الرائق 1/272، رد المحتار 1/385، مواهب الخليل 1/434، المهذب مع المجموع 8/325، مغني المحتاج 1/134، المغني 13/401، شرح منتهى الإرادات 1/130- 131

2 رواه أبو داود (5105) والترمذي (1514) وأحمد (27230) وحسنه الألباني رحمه الله برقم (1173) في إرواء الغليل.

3  رواه البيهقي في شعب الإيمان (8619) وهو ضعيف جداً، بل قال الألباني في السلسلة الضعيفة (321): (موضوع).

4  أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (7985) (4/336)، والبغوي في شرح السنة (11/273) وهو مستدرك على الحافظ ابن حجر، ومن بعده الإمام الشوكاني، إذ قال الحافظ: “لم أره عنه مسنداً”التلخيص الحبير (4/386)، نيل الأوطار (5/146), لكن شيخ عبد الرزاق هو: إبراهيم بن محمد بن أبي يحي, متروك كما في التقريب (1/33)، انظر تصحيح الدعاء لبكر أبو زيد ص 405، 406.

5 انظر: تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم ص 22، ط: دار البيان دمشق 1414هـ، ومرقاة المفاتيح 4/36، وشرح منتهى الإرادات 1/131.

6  المصادر السابقة.

7  تحفة المودود بأحكام المولود ص 23.

8  النهاية لابن الأثير (3/355) ولسان العرب (10/147).

9  تفسير ابن كثير (1/33).

10  رواه الإمام أحمد في المسند (14316) وابن أبي شيبة (95) وابن خزيمة (2549) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد (3/487) وقال الألباني ضعيف.

11  أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (9252) وعن الحسن مثله برقم (9247) والبزار (كشف الأستار برقم (3129) قال الهيثمي: “رجاله ثقات إلا الحسن البصري لم يسمع من سعد فيما أحسب)

12 رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (7436)، قال الهيثمي: “فيه عدي بن الفضل وهو متروك” مجمع الزوائد (10/192).

13 رواه مسلم (389).

14 شرح النووي على مسلم (ج 4/92).

15  أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/95)، وابن عبد البر في التمهيد (3/42) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (6/396).

16  أخرجه الديلمي (فردوس الأخبار بمأثور الخطاب (4/207) ط: دار المتاب العربي 1407هـ، والإسناد فيه المعلى بن مهدي، قال في الميزان (4/151) قال أبو حاتم: “يأتي أحياناً بالمناكير”.

17  استفيد الموضوع بتصرف يسير من كتاب أحكام الأذان والنداء والإقامة لـ(سامي بن فراج الحازمي)، قدم له فضيلة الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم، إمام وخطيب المسجد الحرام.