Share |

خطب / أحكام

حكم سفر المرأة بدون محرم

حكم سفر المرأة بدون محرم

 

الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الزوجين الذكر والأنثى، وجعل لكل دوره في الحياة الدنيا، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الذي أوصى أمته بالنسا خيراً، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ما صبحٌ بدا، وما ليلٌ سجى، وسلم تسليماً سرمدياً أبدا..

أما بعد:

عباد الله: إن من محاسن ديننا الإسلامي، ومميزات شريعتنا الغراء: أنها جاءت بالشمول والكمال، فلم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا نظمته أحسن نظام وأحكمه، ولله الحكمة البالغة فيما يخلق ويختار: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ سورة الملك(14).

ومن الجوانب الرئيسة التي تولاها الإسلام بالعناية والرعاية، وأحاطها بسياج من الصيانة والحماية، ورسم لها خير منهج لما لها من الأهمية والمكانة: الجانب المتعلق بالمرأة وشئونها، ومسئوليتها في الأمة، ومكانتها في المجتمع، وما لها من الحقوق، وما عليها من الواجبات، وما ذاك إلا لأنها اللبنة الكبرى، والنواة الأولى التي يقوم عليها عمود الأسرة، وبالتالي نهضة الأمة وبناء حضارتها، ولأنها الأم الرءوم المشفقة، والعفيفة المربية، والزوج الحنون المؤنسة، والأخت الكريمة السارة، والبنت اللطيفة البارة، بل هي المدرسة الحقيقية لإعداد الأجيال، وصناعة الرجال.

إخوة الإيمان: لقد جاء الإسلام والمرأة مهضومة الحقوق، مهيضة الجناح، مسلوبة الكرامة، مهانة مزدراة، محلُ التشاؤم وسوء المعاملة، معدودة من سقط المتاع، وأبخس السلع، تباع وتشترى، توهب وتكترى، لا تملك ولا ترث؛ بل: تقتل وتوأد بلا ذنب ولا جريرة، فلما جاء الإسلام بحكمته وعدله رفع مكانتها وأعلى شأنها، وأعاد لها كرامتها وأنصفها، فمنحها حقوقها، وألغى مسالك الجاهلية نحوها، واعتبرها شريكة للرجل شقيقة له في الحياة..

وقد ذكرها الله في كتابه الكريم مع الرجل في أكثر من موضع؛ يقول سبحانه: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى سورة آل عمران(195). ويقول: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ سورة النحل(97)، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى سورة الحجرات(13).

وأوصى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- خيراً؛ ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي لله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (استوصوا بالنساء خيرا)1. ولأحمد وأبي داود، والترمذي عنه -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)2.

أيها الناس: لقد حث الإسلام على كل فضيلة، وحذر ومنع من كل رذيلة، بل جعل الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل وسيلة مباحة تؤدي إلى طاعة فهي طاعة، وكل وسيلة ولو كانت مباحة تؤدي لنشر الرذيلة فإنها ممنوعة، ومن الوسائل التي جاء الإسلام بمنعها والتحذير منها: النظر إلى ما حرم الله، وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، والاختلاط بين الرجال والنساء، وسفر المرأة بدون محرم؛ لما في ذلك من الضرر العاجل والآجل على الفرد والمجتمع.

أيها الناس: لقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المرأة إذا كانت تؤمن بالله وباليوم الآخر فإن من مدلولات ومقتضيات إيمانها أن لا تسافر إلا مع ذي محرم؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ إلا مع ذي محرمٍ عليها)3.

بل إن العلماء عدوا سفر المرأة بدون محرم كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك: "لعظيم المفسدة التي تترتب على ذلك غالباً، وهي استيلاء الفجرة، وفسوقهم بها، فهو وسيلة إلى الزنا وللوسائل حكم المقاصد، وأما الحرمة فلا تتقيد بذلك بل يحرم عليها السفر مع غير محرم، وإن قصر السفر وكان آمنا ولو لطاعة كنفل الحج أو العمرة"4.

وقد دلت الأحاديث المتواترة على حرمة سفر المرأة بدون محرم؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها)5. وجاء في رواية في المتفق عليه: (يومين). وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)6. وفي رواية في الصحيحين: (مسيرة يوم). وفي رواية لمسلم: (مسيرة ليلة). وفي رواية أخرى لأبي داود وابن خزيمة: (أن تسافر بريدا). وقد العلماء البريد بـ"مسيرة نصف يوم".

و"اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد، قال البيهقي: "كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يوماً، فقال: لا، وكذلك البريد، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن رواية واحد فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم تحديد أقل ما يسمى سفراً، فالحاصل أن كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس المطلقة وهي: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم). وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا"7.

أيها المؤمنون: لقد أجمع علماء الملة على حرمة سفر المرأة بدون محرم، واختلفوا في سفرها لأداء فريضة كفريضة الحج والعمرة؛ وجمهور العلماء على أنه لا يجوز إلا مع زوج أو محرم لها؛ لأن الأحاديث عامة في ذلك؛ بل إنه يدل على اشتراط المحرم في السفر للحج الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن عباس قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم). فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: (انطلق فحج مع امرأتك).

ويقول ابن تيمية -رحمه الله- بعد أن ساق الأدلة: "فهذه نصوص من النبي -صلى الله عليه وسلم- في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصص سفراً من سفر مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أن يغفله ويهمله ويستثنيه بالنية من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة منه دخول سفر الحج في ذلك لما سأله ذلك الرجل عن سفر الحج وأقرهم على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته ويترك الجهاد الذي قد تعين عليه بالاستنفار فيه، ولولا وجوب ذلك لم يجز أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء، فإن المرأة لا تسافر في الجهاد ولا في التجارة غالبا وإنما تسافر في الحج، ولهذا جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- جهادهن.

وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجه يؤمن فيه البلاء ثم بعض الفقهاء ذكر كل منهم ما اعتقده حافظا لها وصايناً كنسوة ثقات ورجال مأمونين ومنعه أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه الله ورسوله أحق وأوثق، وحكمته ظاهرة... والمرأة معرضة في السفر للصعود والنزول والبروز محتاجة إلى من يعالجها ويمس بدنها، تحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيم يقوم عليهن. وغير المحرم لا يؤمن ولو كان أتقى الناس، فإن القلوب سريعة التقلب والشيطان بالمرصاد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)8. قال أحمد في رواية الأثرم: لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تحج المرأة إلا مع ذي محرم، وليس يشبه أمر الحج الحقوق التي تجب عليها لأن الحقوق لازمة واجبة مثل الحدود وما أشبهها وأمر النساء صعب جدا؛ لأن النساء بمنزلة الشيء الذي يذب عنه وكيف تستطيع المرأة أن تحج بغير محرم فكيف بالضيعة وما يخاف عليها من الحوادث، ولا يجوز لها أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة؛ لأن الذي تهرب منه شر من الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وغيرها من المهاجرات بغير محرم، وفي حضور مجلس الحاكم؛ لأنه ضرورة يخاف منه أن يضيع حق المدعى، وفي التغريب لأنه حد قد وجب عليها"9.

فهذا هو الحكم الذي يجب أن يعلمه كل مسلم ذكراً كان أو أنثى؛ لأن البعض قد يتساهل في هذا الأمر فيخالف أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فتصيبه الفتنة ويقع ما كان يحذره، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً..

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. ربنا اغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..

أما بعد:

أيها الناس: إن تحريم سفر المرأة بدون محرم يعم كل سفر، وكل امرأة شابة أو كبيرة؛ وذلك: "لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: "لكل ساقطة لاقطة"، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها، لغلبة شهوته، وقلة دينه، ومروءته، وخيانته، ونحو ذلك"..10.

"وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها"11. إضافة إلى أنه يشترط في المحرم أن يكون رجلا بالغاً عاقلاً.

ألا فلتحذري -أمة الله- أن تسافري لوحدك ولو كانت المسافة التي تقطعينها في سفرك لساعات معدودة، وحتى ولو كان سفرك بالطائرة؛ فإن ذلك لا يجوز مطلقاً؛ كما أفتى بذلك سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله- فقال: "لا يجوز سفر المرأة المسلمة في الطائرة ولا غيرها بدون محرم يرافقها في سفرها؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم). متفق على صحته؛ ولأنه من المحتمل تعرضها للمحذور في أثناء سير الطائرة بأية وسيلة من الوسائل، ما دامت ليس لديها من يحميها، وأمر آخر: وهو أن الطائرات يحدث فيها خراب أحياناً، فتنزل في مطار غير المطار الذي قصدته، ويقيم ركابها في فندق أو غيره في انتظار إصلاحها، أو تأمين طائرة غيرها، وقد يمكثون في انتظار ذلك مدة طويلة أو يوم أو أكثر، وفي هذا ما فيه من تعرض المرأة المسافرة وحدها للمحذور، وبالجملة فإن أسرار أحكام الشريعة الإسلامية كثيرة، وعظيمة، وقد يخفى بعضها علينا، فالواجب التمسك بالأدلة الشرعية، والحذر من مخالفتها من دون مسوغ شرعي لا شك فيه12.

ألا فاستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واحذروا مخالفة أمره فتصيبكم فتنة أو يصيبكم عذاب أليم.

فإن الله عز وجل يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا سورة الحشر(7)؛ وقد نهاك الرسول- أيتها المسلمة- أن تسافري بدون محروم، فكوني مستجيبة لأوامره، مبتعدة عن نواهيه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ سورة الأنفال(24).

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا سورة الأحزاب(36).

اللهم أصلح حال المسلمين، وردنا جميعاً إلى دينك مرداً جميلاً، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين..

اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..

 


 

1 رواه البخاري ومسلم.

2  راجع: كوكبة الخطب المنيفة من منبر الكعبة الشريفة(467- 469). السفر الأول..

3  متفق عليه.

4 راجع: الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 389).

5 رواه مسلم

6 رواه البخاري ومسلم.

7 راجع: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج(9/103- 104). الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت. الطبعة الثانية (1392هـ.

9  انظر: شرح العمدة في الفقه(2/174- 178) ابن تيمية. الناشر: مكتبة العبيكان – الرياض. الطبعة الأولى (1413). تحقيق: د. سعود صالح العطيشان.

10 راجع: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج(9/104).

11 فتح الباري شرح صحيح البخاري(4/77). الناشر: دار المعرفة - بيروت (1379هـ).

12 راجع: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء السادس عشر.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02179