Share |

خطب / واقع

كـثرة الهـرج

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في السماء ملكه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر عظمته، وفي الجنة رحمته، وفي النار سطوته، وفي كل شيء آيته وحكمته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن علامات الساعة الصغرى كمل ظهورها أو كاد أن يكمل، ومن علاماتها التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الهرج وهو القتل؛ كما في الحديث عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج). قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: (القتل القتل)1.

بل لكثرة من يُقتل فإن القاتل لا يدري لماذا قَتل! ولا يدري المقتول لماذا قُتل؟!؛ كما قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده ليأتينَّ على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتل ولا يدري المقتول على أي شيء قُتل)2.

أمة الإسلام: اعلموا أن الله -عز وجل- كرم الإنسان المؤمن أيما إكرام، فجعل له حرمة عظيمة، ومكانة عالية، وحرم التعرض له بأي نوع من أنواع الأذى، فقال نبي الرحمة: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)3. فكما أنه لا يحل إيذاء المسلم في عرضه بالانتهاك والانتقاص وغير ذلك، فكذلك لا يحل سفك دمه وإراقته بغير إذن شرعي، بل ولا يحل التسبب في ذلك؛ قال القرطبي-رحمه الله-: "فإن الدماء أحق ما احتيط لها؛ إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا نستبيحها إلا بأمرٍ بين لا إشكال فيه"4.

وتعظيماً لقتل النفس المعصومة بغير حق، وبياناً لشدة خطره، والتحذير منه؛ فقد حرم الله قتل النفس بغير حق؛ فقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا ... وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} سورة الأنعام(151)، وقد حذر الله من قتل النفس بغير حق، وأوصانا بعدم الإقدام على ذلك؛ فقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} سورة الإسراء(33).

أيها لناس: لقد نفى الله الإيمان عمن قتل مؤمناً بغير حق؛ قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا...} سورة النساء(92)؛ فـ"هذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن، أي متعمدا، وفي هذا الإخبارُ بشدة تحريمه وأنه مناف للإيمان أشد منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر، أو من فاسق قد نقص إيمانه نقصا عظيما، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة الإيمانية التي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من القتل؟ وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)5، فعلم أن القتل من الكفر العملي وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله"6..

ويشهد لذلك -عباد الله- أن الله ذكره بعد الشرك بالله؛ كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} سورة الفرقان(68-69-70)؛ فمن أقدم على قتل النفس بغير حق فقد انتفت عنه صفة العبودية الكاملة؛ لأن الله ذكر أن من صفات عباد الله أنهم لا يقتلون النفس بغير حق، ويؤكد ذلك ما جاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن)7. وعن عبد الله بن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)8..

أيها الناس: لقد توعد الله من قتل مؤمناً متعمداً بغير حق بجهنم، وبحلول غضب الله ولعنته، قال الله -تعالى-: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} سورة النساء(93)؛ فقد ذكر الله "هنا وعيد القاتل عمداً؛ وعيداً ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وينزعج منه أولو العقول، فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزءاه جهنم، أي فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجنهم بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار، فيا عياذاً بالله من كل سبب يُبعد عن رحمته"9..

وقد عدَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل النفس بغير حق من السبع الموبقات؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجتنبوا السبع الموبقات). قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)10..

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله العلي الأعلى، قدر فهدى، وأخرج المرعى، والصلاة والسلام على خير الورى، وآله وصحبه مصابيح الدجى، وعلى التابعين لهم بإحسان ما غسق ليل ودجى، وهطل مطر وجرى.

أما بعد:

أيها المسلمون: لقد أكد النبي -صلى الله عليه وسلم- حرمة سفك دماء المسلمين في خطبته المشهورة؛ فعن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، فقال: (أي يوم هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: (أليس ذو الحجة؟) قلنا: بلى، قال: (أتدرون أي بلد هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه، فقال: (أليس بالبلدة؟) قلنا: بلى، قال: (فإن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا، وفي شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟)11..

أيها الناس: تلك الكعبة المشرفة قبلة المسلمين لو أنها هدمت حجراً حجراً أهون عند الله من إراقة دم امرئ مسلم بدون حق؛ فعن نافع قال: "نظر عبد الله بن عمر-رضي الله عنه- يوماً إلى الكعبة، فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن عند الله أعظم حرمة منك"12، وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)13.

أيها الموحدون: إن أول ما يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة من الحقوق التي للمخلوقين: الدماء؛ فعن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)14..

أيها الناس: إن مجرد حمل السلاح بنية قتل المسلم ليس من أخلاق أهل الإسلام؛ فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَن حمل علينا السلاح فليس منَّا)15.

بل إن المؤمن لا يزال في فسحة من دينه ما لم يرتكب هذه الكبيرة، وهي قتل النفس بغير حق؛ فعن ابن عمر قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً)16. وقال عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: "إنَّ من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله"17.

وأعظم من ذلك كله ما جاء في حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله علبه وسلم- قال: (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً، يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني حتى يدنيه من العرش)18.

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يجيء المقتول متعلقاً بقاتله يوم القيامة آخذاً رأسه بيده، فيقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ قال فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفاً)19.

عباد الله: لقد تهاون بعض الناس بالقتل في زماننا، حتى إن الرجل ليقتل أخاه لأتفه الأسباب، فمن الناس من قتل مسلماً على دراهم قليلة أو كثيرة، أو خلافات أسرية تافهة، أو على أملاك وأموال وشراكات.. ومن الناس من يقاتل عصبية لقبيلته أو طائفته فيتعدى على حرمات المسلمين، ويقع في دماء الأبرياء والمستضعفين، فويل لهؤلاء من عذاب الله ووعيده، وما أجرأهم على سفك الدماء الطاهرة الزكية!

وهذا ما أخبر عنه المصطفى في آخر الزمان من وقوع القتل بين الناس، وانتشار الهرج والفوضى بينهم، وما ذاك إلا لضعف الإيمان وبعد الناس عن حقائق الإسلام، وتمسك بعضهم بمناهج عبدة الأوثان والشيطان.. فإلى الله نشكو مما وصل إليه حال المسلمين من الاستهانة بحرمات الله عامة، ومن التهاون بدماء بعضهم بعضاً خاصة..

اللهم يا من لا تضره معصيتنا، ولا تنفعه طاعتنا أيقظنا من غفلتنا، ووفقنا لمصالحنا، واعصمنا من قبائحنا، ولا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا.

اللهم يا من كان مع يونس في لجج البحار، ومع إبراهيم في النار، ومع محمد -صلى الله عليه وسلم- في الغار؛ كن معنا حيث كنا. برحمتك يا أرحم الراحمين..

اللهم صل على صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والصراط الممدود، صاحب الكرم والشهامة والشجاعة والنبل، جامع مكارم الأخلاق وسيد ولد آدم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 

1 رواه البخاري ومسلم.

2 رواه مسلم.

3 رواه مسلم.

4 الجامع لأحكام القرآن(5/312).

5 رواه البخاري ومسلم.

6  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، صـ(192).

7 رواه البخاري.

8 رواه البخاري ومسلم.

9 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، صـ( 193).

10 رواه البخاري ومسلم.

11 رواه البخاري ومسلم.

12 رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن"، وحسنه الألباني في غاية المرام، رقم(435).

13 رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الجامع، رقم(5077).

14 رواه البخاري ومسلم.

15 رواه البخاري ومسلم.

16 رواه البخاري.

17 رواه البخاري.

18 رواه أحمد والترمذي، وقال الألباني "صحيح لغيره"؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب، رقم(2448).

19 أخرجه النسائي، وقال الألباني: "صحيح"؛ كما في صحيح الجامع، رقم (8032).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02163