Share |

كلمات / تنبيهات

لا تكن كالتي نقضت غزلها بعد قوة

 

الحمد لله الذي لا يزول ولا يتغير، سبحانه جَعَل في تعاقب الليل والنهار عبرة لمن يتذكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والجلال، نحمدك اللهم ونشكرك من إلهٍ عظيمٍ  جليلٍ كبيرٍ متعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، والسراجُ المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه، وذريته وأصحابه، وسلًَّم تسليماً كثيراً، أما بعد:

أيها المسلمون:

كنتم في شهر الخير والبركة، تصومون نهاره وتقومون في ليله، وتتقربون إلى ربكم فيه بأنواع القربات، طَمعَاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، فما تنقضي أيام هذا الشهر المبارك إلا وقد ألفتم الطاعة، وكرهتم المعصية، وتربيتم على الأخلاق الفاضلة، فتيقظتم بعد غفلة، وحضرتم بعد طول غياب، وعرفتم قدر الحياة، وقيمة العبادة، والآن.. انقضى شهر رمضان، فلا تهدموا ما بنيتم فيه من صالح الأعمال، فإن رب الشهور واحد، وهو مُطلع عليكم وشاهد، ومن كان يعبد شهر رمضان فإن شهر رمضان قد انقضى وفات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

أيها الناس: إذا كان فعل السيئة قبيحاً في نظر الإسلام، فما أشنعه وأقبحه بعد فعل الحسنة، فلئن كانت الحسنات يُذهبن السيئات، فإن السيئات قد يبطلن صالح الأعمال، وإن الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها أعظم جُرماً وأشد إثماً مما كان قبل ذلك، وقد قيل: ذنبٌ بعد توبة أقبح من سبعين قبلها.

مضى رمضان المبارك، وكأنه طيف خيال، فالمساجد كانت مكتظة بالمصلين، والأصوات مُدوية بتلاوة الكتاب المبين، بالأمس أُنفقت آلاف المئين على ذوي القربى والمساكين، بالأمس وجُل التفكير  مقصورٌ على ما ينفع أمام رب العالمين، بالأمس كانت النفوس مُحلقةٍ مع عالم السماء، الذين يُسبحون الليل والنهار لا يفترون، صياماً وصلاة وتلاوةً وبراً، وصلةً وإحساناً واستغفاراً وذكراً، واليوم أخذ الشيطان يهتز طرباً من تركنا لذلك، وصدق الله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (6) سورة فاطر.

وإن تلكم لمأساة كبرى وخسارة عظمى أن يبني الإنسان ثم يهدم، وأن  يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

فحذار أيها الإخوة يا من سمت نفوسهم في رمضان إلى درجات الصالحين، ونَعمت بلذة المناجاة لرب العالمين، وانخرطت في سلك الطائعين القائمين، وإياكم أن تهدموا ما بنيتم، وتبدّدوا ما جمعتم.

يا من كان في رمضان تقياً نقياً خفياً رحيماً، إياك أن تُصيّر نفسك بعده شيطاناً رجيماً، يا من كان في عداد الطائعين، وحزب عباد الرحمن، وأسبل عليك لباس العفو والغفران، إياك أن تخلعه بالمعصية، فتكون من حزب الشيطان، إياك أن توقع نفسك في المعاصي، فإنها شهوة قصيرة عاجلة، تعقبها حسرةٌ دائمة، ونارٌ حامية.

اتقوا الله عباد الله، وواصلوا السير إلى الله، فمن زرع وتعاهد زرعه بالسقي فرح يوم الحصاد، ومن زرع الحبوب وما سقاها، تأوّه نادماً يوم الحصاد، واحمدوا الله واشكروه على ما وفقكم له من إكمال شهر الصيام والقيام، وودعوا شهركم بالاستغفار وطلب القبول، فقد كان سلفكم يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا بلّغهم إياه وعملوا فيه عملاً صالحاً، دعوا الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، فكل زمانهم رمضان، وكثير من أهل هذا الزمن يُودعَّونه بالمعاصي والموبقات، وفعل المحرمات وترك الواجبات، وإن مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب السيئات بعد خروجه هي من تبديل نعمة الله كفراً، فمن عزم على معاودة الحرام بعد رمضان فصيامه عليه مردود، وباب الرحمة في وجهه مسدود.

إنّ هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مقادير الآجال، ومواقيت الأعمال، ثم تنقضي سريعاً، وتمضي جميعاً، والذي أوجدها وابتدعها وخصّها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول، هو في جميع الأوقات إلهُ واحدٌ ولأعمال عباده رقيبٌ ومشاهد، فاتقوه ودوموا على طاعته وراقبوه واجتنبوا معصيته، فإنّ كلَّ وقت يُخليه العبد من طاعته فقد خسره، وكل ساعة يَغفل فيها عن ذكر ربِّه تكون عليه يوم القيامة حسرةً وندامة: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (46) سورة فصلت.

واعلموا أن الحياة كلها مجال للسباق، وميدان فسيحٌ لفعل الخيرات، لا فرق بين رمضان وغيره، فحياة المسلم كلها عبادة، ومن لم يطع الله إلا في رمضان ولم يخف الله إلا  في رمضان، ولم يرج ثوابه إلا في رمضان، ويظن أن العبادة هي في رمضان وهي كفيلة بتكفير ما يعلمه من قبائح وموبقات في سائر العام فإن هذا الصنف من الناس قد ظنَّ سوءاً وجهل حق الله عليه، لم يعرف الله حق معرفته، لم يقدر الله حق قدره، إنه إنسانٌ مقطوعُ الصلة بالله، إنّ فعلَه مخادعةٌ لله، وقد قال بشر الحافي في هؤلاء: بئس القومُ لا يعرفون الله إلا في رمضان،  وقال الحسن البصري: (لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت) ثم قرأ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (99) سورة الحجـر1. والحمد لله رب العالمين.


1 من موقع نور الإسلام.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.03747