صفات لا بد منها للإمام

 

 

صفات لابد منها للإمام

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن إمام المسجد له مكانة الشريفة الرفيعة عند الله – تعالى – أولاً، وعند الناس ثانياً، وحتى ينال الرفعة في الدارين لا بد له أن يتصف بصفات من الواجب تحققها فيه،ومن هذه الصفات:

أولاً: إخلاص النية لله – عز وجل -، وهذا هو أهم الأمور، وأشدها على النفوس، حتى قال بعض السلف : “ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص”، فالإنسان يعتري نفسه النظر إلى أشياء كثيرة: إما إلى الجاه، أو إلى القرب من الناس، أو إلى التصدر، أو إلى أمور دنيوية أخرى كثيرة تخدش الإخلاص وتخل به.

فكيف يكون الإخلاص في إمامة المسجد؟

الإخلاص في الإمامة: أن ينوي قبل كل شيء أنه ممتثل لأمر الله، قائم بأمره، مطيعٌ له؛ لأن الإمامة في حد ذاتها دعوة إلى الله – تعالى -، قال – سبحانه وتعالى -: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ}1، وإذا نوى هذه النية صارت إمامته بالناس الدعوة إلى الله، لا يكتب كلمة إلا وله فيها أجر، ولا يلفظ بحرف إلا وله فيه أجر، ولا يمشي إلا وله أجر، ولا يجلس إلا وله أجر، ولا يقوم إلا وله أجر؛ ما دام في هذه المهمة العظيمة الدعوة إلى الله، فيقيم دين الله في عباد الله، لأن الدين مثل الأرض القابلة للزرع، لكنها تحتاج إلى ماء، والدعوة إلى الله بمنزلة الماء الذي ينزل على الأرض القابلة للإنبات، فكذلك ينزل هذا الوحي على قلوب الرجال بواسطة هذا الداعية فتقوم الملة، وتستقيم الأمة، وهذا مقصد حسن؛ أن يكون قصد الإنسان بإمامته بالناس والدعوة إلى الله إقامة دين الله في عباد الله.

ويضاد ذلك: أن يريد الإنسان من إمامته بالناس أن يظهر أمامهم، وأن يجلُّوه، ويعظموه، وأن يجعلوه قائداً، فإن هذه نية دنيئة، لأن الله تعالى وحده يجب أن يكون هو المراد، وألا يكون المراد هو النفع الذاتي فإن ذلك نقص عظيم.

ثانياً: اللين والرفق في تعامله مع الناس، أرأيت إلى الطبيب كيف يتعامل مع المريض بكل لين ورفق؟ فمن باب أولى أن يكون إمام المسجد هيناً ليناً، لأنه موظف وظيفة ربانية في عيادة خير من جميع العيادات في العالم أعني المسجد.

فقد أمر الله – تعالى – موسى وهارون – عليهما السلام – بإلانة القول لفرعون أثناء دعوتهما له فقال – تعالى -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}2، وإذا كان موسى وهارون – عليهما السلام – وهما من أحب خلق الله – تعالى – إليه قدأُمِرا بإلانة القول مع عدو الله – تعالى – فرعون وهو من أبغض خلق الله تعالى إليه؛فما بال غيرهما من الدعاة مع الناس الآخرين؟

{فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا} أي: سهلاً لطيفاً، برفق ولين وأدب في اللفظ، من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، {لَعَلَّهُ} بسبب القول اللين {يَتَذَكَّرُ}ما ينفعه فيأتيه، {أَوْيَخْشَى} ما يضره فيتركه، فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، وقد فسرالقول اللين في قوله: {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}3 فإن في هذا الكلام من لطف القول وسهولته وعدم بشاعته ما لا يخفى على المتأمل، فقد أتى بـ”هل” الدالة على العرض والمشاورة التي لا يشمئز منها أحد، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس التي أصلها التطهر من الشرك الذي يقبله كل عقل سليم، ولم يقل”أزكيك” بل قال “تزكى” أنت بنفسك، ثم دعاه إلى سبيل ربه الذي رباه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة التي ينبغي مقابلتها بشكرها وذكرها فقال: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}، فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب؛ علم أنه لا ينجع فيه تذكير، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.4

وقد بيّن اللطيف الخبير – سبحانه وتعالى – أن الناس ينصرفون عمن يكون جافياً قاسياً مهما عظم شأنه، وكثرت فضائله قال – عز وجل -: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}5 يقول محمد رشيد رضا: ” لأنهما (الفظاظة والغلظة) من الأخلاق المنفِّرة للناس، لايصبرون على معاشرة صاحبها، وإن كثرت فضائله، ورُجيت فواضله، بل يتفرقون ويذهبون من حوله، ويتركونه وشأنه، لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلّق حواليه، وإذاً لفاتتهم هدايتك، ولم تبلغ قوبهم دعوتك”6.

وينبغى أن يقف إمام المسجد طويلاً عند هذه الآية الكريمة، فإذا كانت خشونة الكلام،وغلظة القلوب؛ مما يجعل الناس يفرّون وينفرون من أكرم الأولين والآخرين على الله -تعالى -، وحبيب رب العالمين   في حالة لو وجدتا فيه؛ فكيف بمن عداه إذا كان فظاً غليظ القلب؟

وقد بيَّن رسول الله   أن وجود الرفق في أمر يزينه، وفقدانه يشينه، فعن عائشة – رضي الله عنها – عن النبى   قال: ((إن الرفق لا يكون فى شئ إلا زانه، ولا يُنْزَعُ من شئ إلا شانه))7.

ثالثاً: القدوة الحسنة فإن صلاح المؤمن هو أبلغ خطبة تدعو الناس إلى الإيمان، وخلقه الفاضل هو السحر الذي يجذب إليه الأفئدة، ويجمع عليه القلوب، أتظن جمال الباطن أضعف أثرًامن وسامة الملامح؟ كلا .. فإن طبيعة البشر محبة الحسن والالتفات إليه، وأصحاب القلوب الكبيرة لهم من شرف السيرة، وجلال الشمائل؛ ما يبعث الإعجاب بهم، والركون إليهم، ومن ثم فإن إمام المسجد الموفق الناجح هو الذي يهدي إلى الحق بعمله وإن لم ينطق بكلمة؛ لأنه مثلٌ حيٌ متحرك للمبادئ التي يعتنقها، وقد شكا الناس في القديم والحديث من دعاة يحسنون القول ويسيئون الفعل.

ولا يشك عاقل، أو يماري مجادل؛ في أهمية القدوة الصالحة في كل ميدان، فنفسك ميدانك الأول، فإن قدرت عليها فأنت على غيرها أقدر، وعلى سواها أمكن، فابدأ بها فأصلحها يصلح الله لك رعيتك، ومن هم تبع لك، فإنهم يوم يسمعون منك ما يناقض ما صدر عنك؛ يقع الخلل، ويعظم الزلل، ويصبح الدين عندهم شعارات براقة، وكلمات جوفاء ليس لها في حياتهم أثر، ولا في واقعهم وقع قال تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}8

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

رابعاً: إتقان إمام المسجد لكتاب الله – تعالى – وتجويده فعن أبى مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله  : (( يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا في الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَلاَ تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ في أَهْلِهِ وَلاَ في سُلْطَانِهِ وَلاَ تَجْلِسْ عَلَى تكرمنه في بَيْتِهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَكَ أَوْ بِإِذْنِه))9.

هذه بعض الصفات الأخلاقية المهمة التي لا بد منها في الإمام، نسأل الله أن يوفقنا لرضاه، والحمد لله رب العالمين.


1 النحل (125).

2 سورة طه (43-44).

3 سورة النازعات (18).

4 تفسير السعدي (1/506) بتصرف يسير.

5 سورة آل عمران (159).

6 تفسير المنار 4/199.

7 مسلم (2594).

8 سورة هود (88).

9 صحيح مسلم (2/133).