كيف تؤثر في الناس

كيف تؤثر في الناس؟

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

اعلم أن الدين الإسلامي: هو الدين الحق، الموافق للفطرة، والمصلح لها في جميع انحرافاتها، وأن غير الإسلام هو الباطل المفسد للفطرة في جميع أحوالها، وقد تمثل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدين الإسلامي وأقامه في نفسه وفي صحابته والجزيرة العربية كلها، وأثّر فيهم تأثيراً جعلهم يتقطعون بين يديه إرباً إرباً نصرة لهذا الدين العظيم.

وتمثل ذلك -أيضاً- علماء سلفنا الصالح، وعُرِفَ عنهم الورع والزهد والتقلل من حضوض النفس الذاتية، من الجاه والتعظيم والانتصار للنفس وحب التبعية ونحو ذلك.

وكان غاية كل منهم أن يظهر الله الحق على يديه، وأن ينفع به عباده في تعليم العلم النافع، وأن يكونوا من الذين يسهمون في عودة الأمة إلى ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم – وصحبه الكرام.

وبإخلاص العبادة والدعوة والطاعة لله والتجرد من الأهواء والأغراض الشخصية، تصلح الأرض ومن عليها.

ومن الأساليب التي تجعلنا نؤثر في الناس:

أولاً: محبة الآخرين والحرص على نفعهم:

وصف الله -عز وجل- رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة.

قال ابن سعدي -رحمه الله-:

 (يمنّ -تعالى- على عباده المؤمنين، بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له وهو -صلى الله عليه وسلم- في غاية النصح لهم والسعي في مصالحهم. (عزيز عليه ما عنتم) أي: يشق عليه الأمر، الذي يشق عليكم ويعنتكم (حريص عليكم) فيحب لهم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر ويسعى جهده في تنفيركم عنه (بالمؤمنين رءوف رحيم) أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم، ولهذا كان حقه مقدماً على سائر حقوق الخلق)1.

والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).2

ثانياً: مراعاة النظرية الواقعية للإنسان:

1-             النظرة للإنسان من حيث تكوينه ولوازم ذلك:

أي ننظر للإنسان نظرة واقعية بعيدة عن المثالية التي تقَرب من الملائكة، وعن السافلية التي تقرب من البهيمية.

وما دام الإنسان هو المقصود بهذه الجهود فلابد من معرفته قدر الاستطاعة حتى يستطيع الداعية المصلح أن يتعامل مع هذا الإنسان تعاملاً سليماً يحقق الأهداف المرجوة بأيسر الأمور، ومن غير إحداث ردود فعل عكسية، ومن غير تصرفات قد تعثر حركات التغيير والإصلاح، أو تحدث من الآفات الفكرية والنفسية ما هو أعظم مما أريد إصلاحه وتغييره.

قال -تعالى-: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (72) سورة الأحزاب.

قال ابن تيمية -رحمه الله-:

 (.. فإن السيئات تهواها النفوس، ويزينها الشيطان، فتجتمع فيها الشبهات والشهوات.. وفي قوله في آخر الآية: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (31) سورة النــور، فوائد جليلة منها:

أن أمره لجميع المؤمنين بالتوبة في هذا السياق تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التي هي ترك غض البصر، وحفظ الفرج، وترك إبداء الزينة، وما يتبع ذلك فمستقلّ ومستكثر.

كما في السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (كل بني آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون)3. وفي الإنسان الاستئثار والظلم، وفيه الجهل والحب والكره، وفيه الميل إلى العلو والسيطرة والرئاسة، وهذه الأمور يقع لكل واحد منها عدد من الأخطاء والمعاصي والذنوب)4

والمقصود النظر إلى أخطاء الإنسان على أنها أمر لا مفر منه، بل قد بين ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن كل الناس يخطؤون، ولكن الشأن في كيفية علاج تلك الأخطاء، وما هي السبل التي يؤخذ بها المخطئ شيئاً فشيئاً فتؤثر فيه، حتى يقلع عن خطئه، ويسلك طريق الصلاح.

2-  حاجة الناس إلى الترويح:

 يخطئ بعض الدعاة عند ما يتصور أن يكون كل أفراد المجتمع في اتجاه واحد من الاهتمامات والإرادات والجد فيها.

فالناس فيهم ذو الهمة العالية والمتوسطة والأقل من ذلك، وفيهم أنواع من الاهتمامات والقدرات والطاقات.

وتلاحظ مراعاة الشرع للنفوس، وعدم الإثقال عليها بالأمور الفكرية والعلمية الجادة، فخطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومواعظه ودروسه قصيرة، وقد أرشد إلى عدم إطالة خطبة الجمعة، عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفّست. فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً)5.

والقرآن الكريم نزل بالتدريج؛ لأنه يحمل التكاليف بالفعل والترك، حتى تتربى النفس المؤمنة على التكامل في حمل التكاليف وتبليغها والدعوة إليها.

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)6.

قال ابن حجر -رحمه الله- في شرح الحديث: (والمراد تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذلك تعلم العلم ينبغي أن يكون بالتدرج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً، حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالباً الازدياد، بخلاف ضده والله أعلم)7.

3 – مراعاة الفروق الفردية:

قال ابن تيمية -رحمه الله-: (فينبغي أن يُعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحداً بعد واحد، ليس أمراً يستوي فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد يؤمر هذا ابتداءً بما لا يؤمر به هذا، فكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمرون بالصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أُمِرَ بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أُمِرَ بتعليمه ابتداءً، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا).8

وكذلك يقال في دعوة الناس إلى الإسلام والتأثير فيهم.

 ثالثاً: استخدام أساليب الدعوة في التأثير على الناس:

قال -تعالى-: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: (إن الله -سبحانه- جعل مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق. فالمستجيب القابل الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده غفلة وتأخر يدعى بطريق الموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن)9.   ومن أهم هذه الأساليب:

أ – أسلوب الحكمة:

وهذا الأسلوب يستخدم مع صاحب الفطرة السليمة، والعقل الرشيد، الذي يعرف الإسلام، وأنه هو الحق بمجرد اطلاعه على تعاليم الإسلام.

وهذا الأسلوب يستخدمه الداعية في المدعو ليحرك ذلك الشعور الكامن في قرارة نفسه ليعرض الحق وينقاد له على علم وبصيرة.

ب – أسلوب الموعظة:

يستخدم هذا الأسلوب لصنفين من الناس:

أحدهما: مستجيب قابل عنده نوع غفلة وتأخر، وهو المسلم الذي ألهته الدنيا وزخرفها والهوى عن محاب الله ومراضيه.

الثاني: صاحب العقل السليم المفكر الذي يدله على الحق من عباد الله جميعاً؛ لأنهم هم الذين نُوِِّعَ لهم ضَرْب الأمثال وإقامة الحجج وغير ذلك.

وقد بين ابن القيم أنواع الموعظة على ضربين:

أحدهما: عظة بالمسموع:

 وهي الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد والنصائح التي جاءت على لسان الرسل وما أوحي إليهم، وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد، في مصالح الدين والدنيا.

ثانياً: عظة بالمشهود:

 وهي الانتفاع بما يشاهده في العالم من مواقع العبر وأحكام القدر، ومجاريه، وما يشاهده من آيات الله الدالة على صدق رسله.10

والمطلوب -هنا- هو: ما يلقيه الداعية المتمكن من المواعظ والنصائح المؤثرة التي تستميل جمهور المدعوين إلى الاستجابة، أو تنفرهم وتزجرهم عن ارتكاب المنهيات التي تؤدي بهم إلى الهلاك، وهذه المواعظ اسم يدخل تحته أنواع من الأساليب الوعظية كالترغيب والترهيب، وضرب الأمثال والقصة فإن هذه المسميات داخله في مسمى الموعظة، وجميعها وردت في القرآن الكريم، وسنة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- وكلام السلف الصالح -رضي الله عنهم-.

ج – استخدام أسلوب ضرب الأمثال:  

فالمثل: هو زيادة في الكشف عن المعاني. فأنت أيها الداعية عندما تُشبِّه الشيء المعقول بالمحسوس، فإن ذلك يجعل لهذا المعقول وقعاً في القلب ورسوخاً.

وهذا أسلوب قرآني ونبوي، يستخدمه الداعية في التأثير على الناس بتحبيب الطيبات وتكريه الخبائث والمنكرات.

ومثال على ذلك: غض البصر وكيف أنه يورث في القلب نوراً وصحة وفراسة. قال ابن القيم -رحمه الله-:

 (إن القلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها، فإذا خلصت المرآة من الصدأ، انطبعت فيها صور الحقائق كما هي عليه!).11

د – استخدام أسلوب القصة:

فالقصة: حكاية تحكي ما جرى على فرد أو جماعة وما نالهم في النهاية من حسن الجزاء، أو تروي ما انتهى إليه أمر المخالف الذي همّه إرضاء نفسه، واتباع هواه من عقاب مؤلم، سواء في الدنيا أو الآخرة.

فعليك أخي الداعية بالقصص القرآني، فإن له من المميزات عن غيره الكثير، فإنه حق لا ريب فيه، واقعي لا مثالية فيه، وكذلك فإن تنوع أسلوبه من سورة إلى سورة في القصة الواحدة والانتقال في خطابه من أسلوب الخبر إلى الإنشاء إلى الاستفهام معجز بليغ لا تجده في غيره، والله -سبحانه- هو الذي خلق النفوس ويعلم ما يؤثر فيها، وما يوقظها من غفلتها، فعليك أخي الداعية به وبكل ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما روي في كتب التفاسير الموثوق بها، فإن فيها ما يغنيك ويشبع رغبة الجمهور، ويوقظ في الحي منهم المشاعر النبيلة ويرسخ في عقولهم.12

ثم مما ينبغي أن يركز عليه في التأثير على الناس:

 تعاهدهم والسؤال عن أحوالهم، وحل مشكلاتهم، وإعطائهم من المال ما يدفع أمورهم الحاجية والضرورية، وترغيبهم في الآخرة، وتحذيرهم من الدنيا وخطورتها، والصبر على أذاهم، ونحو ذلك.

اللهم اجعلنا من الداعين إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. والحمد لله رب العالمين، وهو ولي التوفيق.


1 – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للسعدي (2/300) .

2 – متفق عليه من حديث أنس -رضي الله عنه-.

3 – أخرجه الترمذي وابن ماجه عن أنس -رضي الله عنه-. وقال الألباني في صحيح ابن ماجه 2 / 408 : حديث حسن.

4 – التفسير الكبير 3/116.

5 – أخرجه مسلم.

6 – رواه البخاري ومسلم.

7 – فتح الباري 1/ 163.

8 – درء تعارض العقل والنقل (8/16/17. وانظر: منهج ابن تيمية في الدعوة للدكتور عبدالله الحوشاني 2/249 -324) .

9 – مفتاح دار السعادة (217) .

10 – مدارج السالكين (478) بتصرف.

11 – إغاثة اللهفان (1/48) .

12 – منهج ابن القيم في الدعوة إلى الله، د / أحمد عبد العزيز الخلف (1/304 – 325) بتصرف.