وفي الشتاء عبر

وفي الشتاء عبر

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدِ، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالكٌ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه, ومن اتبعه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين .. أما بعد:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ))[آل عمران: 102].

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) النساء:1]، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)) [الأحزاب: 70-71].

عباد الله إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات.

عباد الله:

إن من آيات الله الساطعة والشاهدة بأنه لا إله الله؛ خلق الليل والنهار، وتعاقب السنون والأعوام، ومجيء الفصول الأربعة على اختلافها كما قال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ}1، وإن هذا التنوعَ في فصول السنة وتنقله يدعو المسلم إلى التفكر والتأمل في الكون الفسيح، وما أودع الله فيه من الحكم والمصالح, إذ لو كان الزمان كله فصلاً واحداً لفاتت مصالح الفصول الباقية، وقد خص الله الحكيم العليم كل فصل بما يناسبه.

فهذا فصل الشتاء الذي تعيشونه هذه الأيام هو الفصل الذي فيه تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال, فتتولد مواد الثمار وغيرها, وتبرد الظواهر، ويستكثف فيه الهواء؛ فيحصل السحاب والمطر، والثلج والبرد الذي به حياة الأرض وأهلها، واشتداد أبدان الحيوان وقوتها, وتزايد القوى الطبيعية, واستخلاف ما حللته حرارة الصيف من الأبدان, وغيرها من الحكم التي ذكرها ابن القيم – رحمه الله –2.

أيها المسلمون:

إن هذا البرد الذي نعاني منه بعض الأحيان، وننزعج منه، ويتمنى الكثيرون سرعة ذهابه؛ ما هو إلا نفس من أنفاس جهنم، وجزء يسير جداً مما في النار من العذاب والنكال – أجارنا الله جميعاً منها فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير))3، والمراد بالزمهرير عباد الله: شدة البرد، ولا إشكال من وجوده في النار، ففيها طبقة زمهريرية – نسأل الله العافية -.

هذه النار عندما اشتكت إلى خالقها، والشكوى كانت من أنه قد أكل بعضها بعضاً، فكيف بالذي في داخلها؟ وكيف بمن يعذب فيها؟ وكيف بمن حكم الله عليه الخلود فيها؟ نسأل الله اللطف والسلامة.

عباد الله:

إن المؤمن يتذكر بشدة البرد زمهرير جهنم، ولفحات لظى؛ مثلما كان السلف الصالح يفعلون، فقد ذكر أنه قام زبيد اليامي ذات ليلة للتهجد فعمد إلى مطهرة له كان يتوضأ منها، فغمس يده في المطهرة فوجد الماء بارداً شديد البرودة حتى كاد أن يجمد من شدة برده، فذكر الزمهرير ويده في المطهرة فلم يخرجها حتى أصبح، فجاءته جاريته وهو على تلك الحال فقالت: ما شأنك يا سيدي، لم لا تصلي الليلة كما كنت تصلي، وأنت قاعد هنا على هذه الحالة؟ فقال: ويحك إني أدخلت يدي في هذه المطهرة فاشتد علي برد الماء، فذكرت به الزمهرير، فوالله ما شعرت بشدة برده حتى وقفت علي، فاطوي لا تحدثي بهذا أحداً ما دمت حياً، فما علم بذلك أحد حتى مات – رحمه الله -.

وكيف لا يتقي المؤمن زمهرير جهنم وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يستغيث أهل النار من الحر، فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها، فيسألون الحر”.

لا إله إلا الله يتقلبون من نكال إلى نكال، ومن عذاب إلى عذاب. لا إله إلا الله لا من نارها يُراحون، ولا من زمهريرها يُؤامنون. قال مجاهد: “يهربون إلى الزمهرير، فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض، وعن كعب قال: “إن في جهنم برداً هو الزمهرير، يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحرِّ جهنم”، وعن عبد الملك بن عمير قال: “بلغني أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها، فأخرجوا، فقتلهم البرد الزمهرير حتى رجعوا إليها، فدخلوها مما وجدوه من البرد”.

وتأمل أي مصير ينظرهم وقد قذف الله بهم في النار يقول سبحانه عنهم: {لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاء وِفَاقًا}4، ويقول الله تعالى: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ}5 قال ابن عباس: “الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق من برده، وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده، وقيل: إن الغساق: البارد المنتن” أجارنا الله – تعالى – من جهنم بفضله وكرمه. 

فيا أيها الأخ المسلم الكريم: يا من تتلى عليه أوصاف جهنم، ويشاهد تنفسها كل عام حتى يحس به ويتألم، وهو مصرٌّ على ما يقتضي دخولها مع أنه يعلم، ستعلم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مَنْ وقتها يندم.

ألك صبر على سعيرها و زمهريرها؟ قل وتكلم ما كان صلاحك يرجى والله أعلم

كم يكون الشتاء ثم المصيف                  وربيع يمضي ويأتي الخريف

وارتحال من الحرور إلى البرد                  وسيف الردى عليك منيف

يا قليل المقام في هذه الدنيـا                  إلى كــم يغرك التسويف

يا طالب الزائـل حتى متى          قلبــك بالزائل مشغوف

عجباً لامرىء يذل لذي الدنـ               يا ويكفيـه كل يوم رغيف6

عباد الله: وهنا تساؤل يفرض نفسه، ونحن نعيش موجات الصقيع الباردة، ونتلفع بليالي الشتاء اللافحة؛ هل تذكرت يا مسلم: حال إخوان لنا في الدين في بلاد شتى قد ابتلوا بشيء من الفقر والحاجة، وقلة ذات اليد، فلا يجدون ما يحميهم من برودة الشتاء، أو يكنهم من لذع الصقيع، أجسامهم شبه عارية، وأقدامهم حافية، فراشهم الغبراء، ولحافهم السماء، منهم من هدمت داره، وآخر فرّق عياله، وثالث تشرد في العراء أهله، ورابع وخامس وعدد لا يحصيهم إلا الله من أخواننا هنا وهناك ..، وليس لهم ما يكفيهم وما يؤويهم من زمهرير الشتاء، وقسوة البرد – ولا حول ولا قوة إلا بالله -.

نعم إخوان لنا في الدم والعقيدة؛ هل قمنا بواجبنا نحوهم دعماً وإطعاماً وإغاثة؟،وهل سألنا الله تعالى أن يرفع الضر، ويذهب الجوع والخوف عن كل مسلم أياً كانت أرضه وبلاده، وتحت أي سماء بلغك أسره وقياده، أم أن الأمر لا يعنينا ما دمنا نرفل في نعم سابغة، وخيرات متوافرة؟.

أيها الموفق:

إن الذي أعطانا لقادر على أن يمنعنا، وإن الذي كتب البلاء على أقوام لقادر على أن يبدل رخاءنا ضراً، وأمننا خوفاً {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}7؛ فلا ينسى المسلم من هم في أمس الحاجة إلى مد يد العون، وليتفقد الفقراء والمساكين من أبناء أمته الذين اكتووا بنار البرد، ولهيب الزمهرير. والله لو تفقد بعض الموسرين منا خزانة ملابسه لوجد فيها ما يكفيه ويغنيه أعواماً متتالية، وسنوات متتابعة، ثم إذا هو يبخل على إخوانه بكسوة يتقون بها شر البرد وشدته

أتدري كيف جارك يا ابن أمي               يهدهده من الفقـر العـناء

وكيـف يداه ترتجفان بؤساً                  وتصدمــه المـذلة والشقاء

يصب الزمهريـر عليه ثلجاً                  فتجمــد في الشرايين الدماء

يجوب الأرض من حي لحي                   ولا أرض تقيـــه ولا سماء

معـاذ الله أن تـرضى بهذا                  وطفل الجيــل يصرعه الشقاء

أتلقاني وبي عــوز وضيق                   ولا تحنـو فمن أيــن الحياء

أخي في الله لا تجرح شعوري                 ألا يكفيــك ما جرح الشتاء

روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: “كان عمر رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهدهم، وكتب لهم الوصية: إن الشتاء قد حضر، وهو عدو، فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعاراً ودثاراً، فإن البرد عدوٌ، سريع دخوله، بعيد خروجه”، وكان يكتب – خلد الله ذكره – إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه؛ فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذى ببرد الشام وذلك من تمام نصيحته، وحسن نظره وشفقته، وحياطته لرعيته رضي الله عنه8

فهل ستعدم الأمة أمثال عمر يقوم على حاجة الناس، وينظر في شأنهم، ويأمر بما يصلحهم، إيه يا عمر لقد اشتاقت الأمة إليك؛ لتحيي فيها ما اندثر، وتخلق فيها ما انحسر، وتري كل مسلم حقه على أخيه من سائر البشر. 

عباد الله: والشتاء مرتع خصب للصالحين، يتزلفون فيه بشتى الطاعات، ويتقربون إلى ربهم بمختلف القربات، فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الشتاء ربيع المؤمن))9 قال ابن رجب رحمه الله في اللطائف: “إنما كان الشتاء ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسِّر فيه كما ترتع البهائم في المرعى الربيع، فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقه ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقة الصيام، جاء عن عامر بن مسعود الجمحي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة))10، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول : “ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء”11

وقد أخذ هؤلاء الأفذاذ بوصية نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم فكان لهم مع ليالي الشتاء أحوال عجيبة، ومآثر غريبة، تستشف منها حرصهم على الخير، ومسابقتهم إليه، عرفوا كيف يوظفوا هذه الليالي والأيام فيما يكون نجاتهم يوم حشرهم، ووقوفهم بين يدي مليكهم: فهذا ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول إذا دخل الشتاء: “مرحباً بالشتاء، تنزل فيه البركة، يطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام”، وهذا يحيى بن معاذ يوصي فيقول: “الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقيٌ فلا تدنسه بآثامك”، أما عبيد بن عمير فكان إذا جاء الشتاء قال: “يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فأقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا”.

وإن تعجب من شيء فليكن عجبك من حسرتهم على أي شيء يتحسرون، ومن بكائهم على ماذا يبكون، فهذا معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة جعل يبكي، واشتد بكاؤه؛ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: “إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر”، وقال معضد: “لولا ثلاث: ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ولذاذة التهجد بكتاب الله؛ ما بليت أن أكون يعسوباً”12

الله أكبر يبكون على فوات انقطاع الطاعات عنهم، وحيلة الموت بينها وبينهم، واليوم شباب المسلمين يبكون، لكن السؤال المر: لأي سبب يبكون، ولأي شيء يتأسفون؟ تجد أحدهم يذرف الدمع المدرار فإذا سألته صاعقتك الإجابة، وأدهشك الرد، يبكي لأن فريقه المحبوب عنده في كرة القدم انهزم في المباراة، أو خسر في كأس التحديات، والأخر يبكي لأن عشيقته تركته، واختارت خليلاً آخر لها، وهكذا …، أخبار تريك المرحلة التي وصل إليها بعض شباب الأمة من الإفلاس، إفلاس القيم والتفكير والاهتمام والله المستعان.

نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، ويصطفينا من أهل مرضاته، وأن يقينا كل سوء، ويدفع عنا كل ضير ومكروه، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية:

أيها الإخوة: ولنا في حلول فصل الشتاء درس وعبرة في تعاقب الليالي والأيام، وتصرم السنون والأعوام، يتذكر فيه الإنسان رحيله من على ظهر هذه الدنيا، فإن هذه الدنيا مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة، حتى ننتهي إلى آخر سفرنا، وإن كل يوم يمرُّ بنا بل كل ساعة، بل كل لحظة تبعدنا من الدنيا، وتقربنا من الآخرة

إنا لنفرح بالأيام نقطعها             وكل يوم مضى يدني من الأجل

وإن هذه الأيام والليالي خزائن لأعمالنا، ومحفوظة لنا، شاهدة علينا بما عملنا فيها من خير أو شر، وهذا يُذَكِّر الإنسان في كل فترة من عامه كيف أحواله مع ذهاب أيامه وأعوامه، وهو في غفلة عن الموت، قد انغمس في شهوات الدنيا وملذاتها

مضى الدهر والأيام والذنب حاصل          وجاء رسول الموت والقلب غافل

نعيمك في الدنيـا غرور وحسـرة          وعيشك فِي الدنيـا محال وباطل

أيها المسلمون:

ولأنَّ شدة البرد تؤذي الناس وقد تهلكهم؛ فإن الله تعالى قد خفَّف عنهم في كثير من الأحكام الشرعية، لأجل ذلك أباح عز وجل لهم التيمم في شدة البرد في حال عدم وجود وسائلَ لتسخين الماء؛ مما يُظَن معه الهلاك أو الضرر، وفي ذلك أقرَّ النبي عليه الصلاة والسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه لما أجنب في غزاة وتيمم وصلى بالناس.

ولكن مجرد المشقة العادية ليست عذراً في ترك الوضوء أو الاغتسال البتة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في ذلك لأجل المشقة فقط؛ ولأن الوضوء في البرد شاق على كل الناس، روى الإمام أحمد عن رَجُلٍ من ثَقِيفٍ قال: سَأَلْنَا رَسُولَ الله – صلى الله عليه وسلم – ثَلاَثاً فلم يُرَخِّصْ لنا فَقُلْنَا: إن أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ فَسَأَلْنَاهُ أن يُرَخِّصَ لنا في الطُّهُورِ فلم يُرَخِّصْ لنا”13.

ومن تخفيف الله تعالى على عباده، ورحمته عز وجل بهم أن شرع سبحانه لهم المسح على الخفين، وأباح لهم الصلاة في رحالهم إذا كان البرد شديداً مصحوباً بأمطار أو ريح تضر الناس وتؤذيهم؛ فقد روى نَافِعٌ رحمه الله تعالى “أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنه أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ في لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فقال: ألا صَلُّوا في الرِّحَالِ، ثُمَّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذا كانت لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يقول: ((ألا صَلُّوا في الرِّحَالِ))14.

أيها المبارك: وللمؤمن رخصةٌ في لبس القفازين أثناء الصلاة ذكراً كان أم أنثى؛ إذ لا مانع يمنع من ذلك.

وتغطيةُ الوجه أو بعضُه بلثام أو غيره مكروه في الصلاة، فإنْ احتاج له المصلي لاتقاء هواء بارد كما لو صلى في الخلاء؛ زالت الكراهية، وجاز له ذلك. 

ومع هذه التراخيص العظيمة للمؤمنين من رب العالمين فإنه سبحانه يُعْظِم لهم المثوبة على تحمل المكاره في طاعته – عز وجل -، فمن أسباب محو الخطايا ورفع الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكاره جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع الدرجات))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط))15، ومعلوم أن إسباغ الوضوء في شدة البرد، وكثرةِ الملابس على المتوضئ؛ مما يكرهه ويشق عليه، لكنه يفعل ذلك قربةً لله تعالى، فاستحق ما رُتب عليه من أجر عظيم.

وليحذر المسلم من التقصير في إسباغ الوضوء، وترك غسل أجزاء من بعض الأعضاء كالوجه والكعبين ولاسيما المرفقين مع كثرة اللباس، وعُسْرِ حَسْرِ الأكمام عنهما.

وتسخينُ الماء في شدةِ البرد مما يحفظ النفس من العطب والمرض، ويعين على إسباغِ الوضوء وإتمامِ الطاعة، فلم يكن به كراهة، ويُخشى على من تنزَّه عنه قربةً من الغلو والتنطع؛ قال شُراح الحديث: “تسخينُ الماء لدفع برده ليقوى على العبادة لا يمنع من حصول الثواب المذكور”.ا. ه16.

والله عز وجل لا حاجة له في تعذيبنا وإرهاقنا، فكلُّ ما أعان على إتمام العبادة، ولم يكن منصوصاً على المنع منه، ولا يترتب عليه ضرر؛ فمباح للمؤمن أن ينتفع به.

وليحذر العبدُ من سبِّ الريح وإن آذته ببردها وشدتها؛ فإنها من الله تعالى، وقد يُصاب بالحُمى من جراء البرد فلا يَسُبُّها أيضاً؛ لأنها من الله تعالى؛ ولأنها تُحرق ذنوب العبد، وتخفف عنه، فكان فيها خير له، ولو أقعدته وأسهرته وآذته. 

عباد الله:

ويَكثرُ في البرد إيقاد النار ووسائلِ التدفئة؛ فليحذر المسلم منها أن تحرق عليه داره؛ فإن النار عدو له، وكم من حوادث هلك فيها أفراد وأسرٌ بسبب التساهل في ذلك روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا تَتْرُكُوا النَّارَ في بُيُوتِكُمْ حين تَنَامُونَ))17، وعن أبي مُوسَى رضي الله عنه قال: “احْتَرَقَ بَيْتٌ على أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ من اللَّيْلِ، فلما حُدِّثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشَأْنِهِمْ قال: ((إِنَّ هذه النَّارَ إنما هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فإذا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ))18، كما أنه يُكره أن تكون النار موضوعة في قبلة المصلي سواء كان يصلي فريضة أم نافلة، ولو شُعْلَةَ مِدْفَأةٍ أو شمعة؛ لما فيه من التشبه بالمجوس الذين يُصَلُّون للنار أو إليها، وقد نُهينا عن التشبه بالكفار. 

اللهم ارحمنا برحمتك يا كريم، وأعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، واغفر لنا وارحمنا يا أرحم الرحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع راية الدين.

عباد الله صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه عملا بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.


1 سورة آل عمران (190).

2 مفتاح دار السعادة (1/208).

3 رواه البخاري برقم (3020)، ومسلم برقم (977).

4 سورة النبأ (24-26).

5 سورة ص (57).

6 انظر: لطائف المعارف (281).

7 الأعراف (99).

8 لطائف المعارف (ص: 356).

9 رواه أحمد في مسنده برقم (11291)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (7172).

10 رواه الترمذي برقم (727)، وأحمد في المسند برقم (18191), وحسنه الألباني في السلسة الصحيحة لشواهده برقم (1922).

11 لطائف المعارف (ص: 356).

12 لطائف المعارف (ص: 356).

13 رواه أحمد في المسند برقم (16873)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات برقم (7269).

14 رواه البخاري برقم (596)، ومسلم برقم (1125).

15 رواه مسلم برقم (369).

16 مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل (1/ 263).

17 رواه البخاري برقم (5819)، ورواه مسلم برقم (3759).

18 رواه البخاري برقم (5820)، ومسلم برقم (3760).