العقيدة أولاً

العقـيدة أولاً

 

العقـيدة أولاً

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، من أقام للتوحيد مناراً بين الأنام، وعلى آله وصحبه الغر العظام، وعلى من تبعهم واستن بهديهم على مدار الأزمان.

أيها المسلمون :

لقد أكرم الله هذا الإنسان، وأعظم عليه المنَّة، عندما بعث إليه الرسل، وأنزل معهم الكتب والشرائع التي تتفق مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها من الإيمان بالله -سبحانه وتعالى-، الخالق المعبود، الذي لا يستحق العبادة أحد سواه. ثم أكرم الله الإنسان مرة أخرى عندما ختم الرسالات السماوية برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتكفّل بحفظها وحفظ كتابها، حيث قال: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر : 9. وبذلك كانت رسالة محمد هي الرسالة الوحيدة التي بقيت على أصولها المنزلة، محفوظة بحفظ الله من أي تغيير أو تحريف أو تبديل، وبذلك تم الحفاظ على دعوة التوحيد، نقية صافية،كما جاء بها جميع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- إلى أن ختموا بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد جاؤوا جميعهم بدعوة الإسلام وكلمة التوحيد. والتوحيد: هو قاعدة كل ديانة جاء بها من عند الله رسولٌ. ويقرر الله هذه الحقيقة ويؤكدها ويكررها في  قصة كل رسول على حدة،كما تقررت في دعوة كل الرسل إجمالاً على وجه القطع واليقين فيقول تعالى: {ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} المؤمنون : 23. {وإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُه} الأعراف : 65. {وإلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ}الأعراف: 73. وهي الكلمة  نفسها  التي  تكررت على لسان شعيب وموسى وعيسى-عليهم الصلاة والسلام-، قال الله تعالى: {ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبدُونِ} الأنبياء : 25. {ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل:36.

أيها المسلمون:

أول شيء دعا إليه الرسل جميعاً هو تصحيح العقيدة التي هي أساس كل شيء، وتصحيح العقيدة بنطق كلمة التوحيد وفهمها والعمل بمقتضاها هو أول ما يدخل به المرء في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب. ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- عندما بعثه إلى اليمن: ((إنك تأتى قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله وحده، وفي رواية: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله  وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله -عز وجل- افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتَّقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) رواه البخاري ومسلم.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله -عز وجل-)) رواه البخاري ومسلم.

وفي هذا الحديث الشريف تفسير لقول الله -تعالى-: {فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} التوبة : 51

أيها المسلمون:

إن أساس الإصلاح الإسلامي الحقيقي يبدأ بإصلاح العقيدة، العقيدة أولاً لو كانوا يعلمون. إن العقيدة الإسلامية الصحيحة هي التي ترتقي بالإنسان إلى المكان اللائق به، وهي التي تنقذه من رق العبودية لغير الله، وتحرره من استعباد الإنسان، ومن استعباد الخرافة والأهواء، وهي التي تنقذه من المحتالين الدجالين أحبار السوء الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، وإذا لم يتعبد الإنسان لله فسوف يقع في الوثنية -لا محالة- بشتى صورها وأشكالها.2

ولكن ماذا نعني بإصلاح العقيدة؟

 الذي نعنيه بإصلاح العقيدة هو: نهج الطريق الذي سلكه الأنبياء صلى الله عليهم وسلم, وعلى رأسهم نبينا محمد، في دعواتهم لأممهم التي أرسلهم الله إليها، فهذا هو الطريق الأمثل الموصل إلى الغاية المرجوة ومحورها الأصيل، العبودية المطلقة لله وحده، وتحقيق الألوهية له -جل جلاله- ودعوة الناس إليها، وتربيتهم عليها قبل أي شيء آخر، وهذه هي دعوة الرسل جميعاً: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتحقيق الحاكمية في التشريع له، والولاء والبراء على ذلك. وينبني على هذه المعرفة مطالب الرسالة كلها.

 إن كل داعية مخلص يجب أن ينطلق في دعوته من أصول أهل السنة والجماعة المعتبرة، بعيداً عن المناهج البدعية من: صوفية، وكلامية، وعقلانية بحتة ، فهي التي أدت بالأمة إلى التشرذم والتفرق.

إننا حقاً بحاجة ماسة إلى العودة إلى سنن الأنبياء في الدعوة، وقد وضّحت لنا السيرة النبوية المنهاج الصحيح لبناء مجتمع إسلامي، فمتى يتعاون الدعاة فيما بينهم ؟!ومتى يصل الدعاة والعلماء العدول إلى كلمة سواء بدلاً مما هو حاصل في أحيان كثيرة من جفاء وعدم مودة، لمسنا آثارها السيئة على واقعنا الدعوي، مما جعل الأعداء يشمتون بنا، وجعل الأصدقاء لا يملكون سوى الدموع حيال ما حصل ويحصل، إننا بحاجة حقاً إلى التوقف والمراجعة والعودة إلى المنهاج النبوي كما رسمته لنا السيرة الصحيحة.

      فحسن النية والإخلاص وحده لا يكفي في توصيل الدعوة إلى الناس وقبولهم لها، نعم العقيدة أولاً، ولكن لابد من التزام الأساليب الدعوية الحكيمة، واقتفاء آثار الوحيين، وتجريد المتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم-.

لقد جرب الناس كثيراً من المناهج الجديدة التي ألمحنا إلى بعضها، غير أن الحال لا يسر، ولم يبق سوى منهج الأنبياء في الدعوة كما فصله بأوضح بيان نبينا وأسوتنا وقائدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في سيرته وسنته ونقَلَهُ عنه أصحابه والتابعون لهم بإحسان: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} سورة الأنعام: 90 . هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين والمؤمنات، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: 

أيها المسلمون:

إنه من المؤسف أن نجد اليوم بعض الذين يصفون أنفسهم بأنهم (مثقفون)، أو بعض من دخلت في قلوبهم شُبَه (علم الكلام) يأنفون من العقيدة الإسلامية الصحيحة، فلا يدرسونها ولا يُدرّسونها؛ لأن هذا عندهم أقرب أن يكون للعوام!، أما هم فلا بد أن يخوضوا في الذات الإلهية، وكيف ولماذا ؟ … ولا بد أن يذكروا أقوال الفلاسفة القدامى والمعاصرين؛ فتراهم يلوكون الكلمات التي لا تقيم حقًّا ولا تهدم باطلاً، والتي هي كلحم جمل غَثّ على رأس جبل وعر، ولا يكتفون بهذا، بل يُنفّرون الناس عن دراسة العقيدة الصحيحة باللمز والغمز لأهلها الذين يقومون بها ويعلمونها الناس.

عباد الله:

كثيراً ما تحدث العلماء والمفكرون المسلمون داعين إلى الرجوع إلى منهج الأنبياء في الدعوة، في خضم الكثير من المناهج الدعوية الجديدة، التي ينأى بعضها قليلاً أو كثيراً عن ذلك المنهج  مما أدى بتلك الدعوات إلى الإخفاق في الوصول إلى تحقيق غاياتها المعلنة بتحكيم شريعة الله وحده دون غيره، ودعوة الناس كافة إلى صراط الله المستقيم، وحينما نؤكد على أهمية الدعوة إلى منهج الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، إنما نعني أن يكون البدء بأي إصلاح منطلقاً من إصلاح العقيدة فهي الأساس الذي يجب أن تنطلق منه الدعوات بعيداً عن التقليد والمجاملات، وعدم البدء بجزئيات مهما كانت؛ فهي لا تصل إلى أهمية إصلاح العقيدة. لقد بدأ بعضهم بالإصلاح الفكري، ومنهم من دعا إلى الإصلاح الخلقي والروحي، ومنهم من دعا إلى الإصلاح السياسي، ومنهم من دعا إلى غير ذلك. إن تلك الجهود الجزئية مع ما قدمته من أعمال، ومن مساهمة في التأثير على مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة، قد توقفت عند مدًى معين لم تتجاوزه، فولّد ذلك إخفاقات في مجال الدعوة مازلنا نلمس آثارها في كثير من الأحيان من الخلافات المستمرة، والصراع المرير بين رفاق الدعوة والجهاد، فضلاً عن العجز عن قطف الثمار التي طال انتظارها.

فحتى متى تبقى الدعوة الإسلامية حقلاً للتجارب. إنه من المحتم على أولي الشأن من العلماء والعاملين في سلك الدعوة إلى الله التوقف كثيراً أمام بعض ما حصل من الوقائع والفجائع، ودراسة هذه الظواهر المقلقة، وما تنطوي عليه نفسيات بعض المنتسبين للدعوة من: حزبية، وتعصب أعمى، وتقديس للرجال(3).

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.    


 


1 -انظر مجلة البيان العدد التاسع ص 25بتصرف.

2 -انظر مجلة البيان العدد 102ص 30بتصرف.

3– مجلة البيان عدد 88 ص 4.