أنواع الصيام

أنواع الصيام

أنواع الصيام

الحمد لله على آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه وسمائه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم لقائه، وسلم تسليماً.. أما بعد:

فالكلام في هذا الدرس يقع في مواضع: في بيان أنواع الصيام، وصفة كل نوع, وفي بيان شرائطها, وفي بيان أركانها، ويتضمن بيان ما يفسدها، وفي بيان حكمها إذا فسدت, وفي بيان حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته.

فنقول الصيام من حيث حكمه أنواع:فمنه الفرض، ومنه التطوع.

وبعبارة أخرى: منه الواجب، ومنه المستحب، ومنه المحرم، ومنه المكروه. والواجب أو الفرض منه: ما هو فرض عين، وهو واجب بإيجاب الله تعالى باعتبار زمانه، وذلك هو صيام رمضان.

ومنه: ما هو واجب بسبب معين حقًا لله تعالى، وهو صيام الكفارات، ومنه: ما هو واجب بإيجاب الشخص على نفسه، وهو صيام النذر.

وصيام شهر رمضان هو فرض على المسلم وأحب أنواع الصيام إلى الله سبحانه وتعالى.

إذاً فنقول‏:‏ إن الصوم الشرعي: منه واجب، ومنه مندوب إليه‏.‏

والواجب ثلاثة أقسام‏:‏

– منه ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم شهر رمضان بعينه‏.‏

– ومنه ما يجب لعلة، وهو صيام الكفارات‏.‏ (مثل كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ، ونحوها).

– ومنه ما يجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه، وهو صيام النذر‏.‏

فأما صوم شهر رمضان فهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع ‏والمعقول.‏

فأما الكتاب: فقوله تعالى: ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(183) سورة البقرة. وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} أي : فرض، وقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(185) سورة البقرة.

وأما السنة: ففي قوله عليه الصلاة والسلام: (‏بني الإسلام على خمس)1 وذكر فيها الصوم‏،‏ وقوله للأعرابي: (‏وصيام شهر رمضان) قال‏:‏ هل علي غيرها‏؟‏ قال‏:‏ (لا إلا أن تطوع)‏‏2،وقوله – صلى الله عليه وسلم – عام حجة الوداع: ) أيها الناس اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، تدخلوا جنة ربكم)3

وأما الإجماع: فإنه لم ينقل إلينا خلاف عن أحد من الأئمة في ذلك‏.‏ فإن الأمة أجمعت على فرضية شهر رمضان , لا يجحدها إلا كافر .

وأما المعقول فمن وجوه:

أحدها: أن الصوم وسيلة إلى شكر النعمة إذ هو كف النفس عن الأكل, والشرب, والجماع, وإنها من أجل النعم وأعلاها, والامتناع عنها زماناً معتبراً يعرف قدرها, إذ النعم مجهولة فإذا فقدت عرفت, فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر, وشكر النعم فرض عقلاً, وشرعاً, وإليه أشار الرب تعالى في قوله في آية الصيام {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(185) سورة البقرة. والثاني : أنه وسيلة إلى التقوى لأنه إذا انقادت نفسه للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضات الله تعالى, وخوفاً من أليم عقابه، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام, فكان الصوم سبباً للاتقاء عن محارم الله تعالى, وإنه فرض، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى في آخر آية الصومَ: {لعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(183) سورة البقرة. والثالث: أن في الصوم قهر الطبع, وكسر الشهوة, لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات, وإذا جاعت امتنعت عما تهوى, ولذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)4 فكان الصوم ذريعة إلى الامتناع عن المعاصي وإنه فرض.

أما الأول : فالصوم في القسمة الأولى وينقسم إلى: لغوي, وشرعي.

أما اللغوي: فهو الإمساك المطلق, وهو الإمساك عن أي شيء كان فيسمى الممسك عن الكلام وهو الصامت صائماً, قال الله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}(26) سورة مريم، أي صمتاً، ويسمى الفرس الممسك عن العلف صائماً، قال الشاعر :

خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما

أي: ممسكة عن العلف، وغير ممسكة.

وأما الشرعي: فهو الإمساك عن أشياء مخصوصة وهي: الأكل, والشرب, والجماع, بشرائط مخصوصة. ثم الشرعي ينقسم إلى : فرض, وواجب, وتطوع.

والفرض ينقسم إلى: عين, ودين.

فالعين: ما له وقت معين, إما بتعيين الله تعالى كصوم رمضان, وصوم التطوع خارج رمضان, لأن خارج رمضان متعين للنفل شرعاً.

وإما بتعيين العبد كالصوم المنذور به في وقت بعينه.

وأما صوم الدين: فما ليس له وقت معين. (كصوم قضاء رمضان, وصوم كفارة القتل, والظهار, واليمين, والإفطار, وصوم المتعة, وصوم فدية الحلق, وصوم جزاء الصيد, وصوم النذر المطلق عن الوقت, وصوم اليمين بأن قال والله لأصومن شهراً).

ثم بعض هذه الصيامات المفروضة من العين والدين تنقسم إلى:

– متتابع.

– وبعضها غير متتابع (بل صاحبها فيه بالخيار إن شاء تابع, وإن شاء فرق).

أما المتتابع : فصوم رمضان, وصوم كفارة القتل, والظهار, والإفطار, وصوم كفارة اليمين عند بعضهم, أما صوم كفارة القتل, والظهار: فلأن التتابع منصوص عليه، قال الله تعالى في كفارة القتل: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ}(92) سورة النساء. وقال – عز وجل – في كفارة الظهار: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}(4) سورة المجادلة.

وأما صوم كفارة اليمين فقد قرأ ابن مسعود – رضي الله عنه -: “فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات”.

وعند الشافعي: التتابع فيه ليس بشرط. وقال – صلى الله عليه وسلم – في كفارة الإفطار بالجماع في حديث الأعرابي: (صم شهرين متتابعين).5

وأما صوم شهر رمضان: فلأن الله تعالى أمر بصوم الشهر بقوله – عز وجل – : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(185) سورة البقرة، والشهر متتابع لتتابع أيامه، فيكون صومه متتابعاً ضرورة, وكذلك الصوم المنذور به في وقت بعينه, بأن قال لله علي أن أصوم شهر رجب, يكون متتابعاً لما ذكرنا في صوم شهر رمضان.

وأما غير المتتابع : فصوم قضاء رمضان, وصوم المتعة, وصوم كفارة الحلق, وصوم جزاء الصيد, وصوم النذر المطلق, وصوم اليمين, لأن الصوم في هذه المواضع ذكر مطلقاً عن صفة التتابع, قال الله تعالى في قضاء رمضان: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}(184) سورة البقرة، أي: فأفطر فليصم عدة من أيام أخر, وقال – عز وجل – في صوم المتعة : {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(196) سورة البقرة، وقال – عز وجل – في كفارة الحلق : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}(196) سورة البقرة، وقال سبحانه وتعالى في جزاء الصيد : {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}(95) سورة المائدة، ذكر الله تعالى الصيام في هذه الأبواب مطلقاً عن شرط التتابع.

وكذا الناذر, والحالف في النذر المطلق, واليمين المطلقة, ذكر الصوم مطلقاً عن شرط التتابع, وقال بعضهم في صوم قضاء رمضان : إنه يشترط فيه التتابع, لا يجوز إلا متتابعاً, واحتجوا بقراءة أبي بن كعب – رضي الله عنه – أنه قرأ الآية ” فعدة من أيام أخر متتابعات ” فيزاد على القراءة المعروفة وصف التتابع بقراءته كما زيد وصف التتابع على القراءة المعروفة في صوم كفارة اليمين بقراءة عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – ولأن القضاء يكون على حسب الأداء, والأداء وجب متتابعاً فكذا القضاء.

ودليل عدم وجوب التتابع ما روي عن جماعة من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من نحو علي وعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعائشة وغيرهم – رضي الله عنهم – أنهم قالوا: إن شاء تابع وإن شاء فرق غير أن علياً – رضي الله عنه – قال: إنه يتابع لكنه إن فرق جاز، وهذا منه إشارة إلى أن التتابع أفضل، ولو كان التتابع شرطاً لما احتمل الخفاء على هؤلاء الصحابة، ولما احتمل مخالفتهم إياه في ذلك لو عرفوه . وبهذا الإجماع تبين أن قراءة أبي بن كعب لو ثبتت فهي على الندب, والاستحباب دون الاشتراط, إذ لو كانت ثابتة وصارت كالمتلو، وكان المراد بها الاشتراط لما احتمل الخلاف من هؤلاء – رضي الله عنهم – بخلاف ذكر التتابع في صوم كفارة اليمين, في حرف ابن مسعود -رضي الله عنه- لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك, فصار كالمتلو في حق العمل به .

وأما قوله: إن القضاء يجب على حسب الأداء, والأداء وجب متتابعاً, فنقول: التتابع في الأداء ما وجب لمكان الصوم, ليقال: أينما كان الصوم كان التتابع شرطاً, وإنما وجب لأجل الوقت لأنه وجب عليهم صوم شهر معين، ولا يتمكن من أداء الصوم في الشهر كله إلا بصفة التتابع, فكان لزوم التتابع لضرورة تحصيل الصوم في هذا الوقت.

قال الكاساني: هذا هو الأصل: أن كل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الفعل وهو الصوم ويكون التتابع شرطاً فيه حيث دار الفعل, وكل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الوقت ففوت ذلك الوقت يسقط التتابع وإن بقي الفعل واجب القضاء, فإن من قال: لله علي صوم شعبان يلزمه أن يصوم شعبان متتابعاً، لكنه إن فات شيء منه يقضي إن شاء متتابعاً, وإن شاء متفرقاً, لأن التتابع ههنا لمكان الوقت, فيسقط بسقوطه, وبمثله لو قال: لله علي أن أصوم شهراً متتابعاً، يلزمه أن يصوم متتابعاً, لا يخرج عن نذره إلا به, ولو أفطر يوماً في وسط الشهر يلزمه الاستقبال لأن التتابع ذكر للصوم، فكان الشرط هو وصل الصوم بعينه فلا يسقط عنه أبداً, وعلى هذا صوم كفارة القتل, والظهار, واليمين, لأنه لما وجب لعين الصوم لا يسقط أبداً إلا بالأداء متتابعاً, والفقه في ذلك ظاهر, وهو أنه إذا وجب التتابع لأجل نفس الصوم فما لم يؤده على وصفه لا يخرج عن عهدة الواجب وإذا وجب لضرورة قضاء حق الوقت, أو شرط التتابع لوجب الاستقبال, فيقع جميع الصوم في غير ذلك الوقت الذي أمر بمراعاة حقه بالصوم فيه, ولو لم يجب لوقع عامة الصوم فيه, وبعضه في غيره, فكان أقرب إلى قضاء حق الوقت, والدليل على أن التتابع في صوم شهر رمضان لما قلنا من قضاء حق الوقت: أنه لو أفطر في بعضه لا يلزمه الاستقبال ولو كان التتابع شرطاً للصوم لوجب كما في الصوم المنذور به بصفة التتابع, وكما في صوم كفارة الظهار, واليمين والقتل, وكذا لو أفطر أياماً من شهر رمضان بسبب المرض ثم برئ في الشهر وصام الباقي لا يجب عليه وصل الباقي بشهر رمضان حتى إذا مضى يوم الفطر يجب عليه أن يصوم عن القضاء متصلاً بيوم الفطر, كما في صوم كفارة القتل, والإفطار، إذا أفطرت المرأة بسبب الحيض الذي لا يتصور خلو شهر عنه، إنها كما طهرت يجب عليها أن تصل وتتابع, حتى لو تركت يجب عليها الاستقبال, وههنا ليس كذلك بل يثبت له الخيار بين أن يصوم شوالاً متصلاً وبين أن يصوم شهراً آخر.

فدل أن التتابع لم يكن واجباً لأجل الصوم، بل لأجل الوقت، فيسقط بفوات الوقت والله أعلم.

وأما الصوم الواجب: فصوم التطوع بعد الشروع فيه, وصوم قضائه عند الإفساد, وصوم الاعتكاف عند بعضهم.

وأما التطوع: فهو صوم النفل خارج رمضان قبل الشروع, فهذه جملة أقسام الصيام.. والله أعلم.6

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



1 – صحيح البخاري – (ج 1 / ص 11 – 7 ) وصحيح مسلم – (ج 1 / ص 102 – 20)

2 – صحيح البخاري – (ج 1 / ص 80 – 44) وصحيح مسلم – (ج 1 / ص 91 – 12)

3 سنن الترمذي – (ج 3 / ص 3 – 559) ومسند أحمد – (ج 45 / ص 135 – 21140) تحقيق الألباني: صحيح ، الصحيحة ( 867 )

4 – صحيح البخاري – (ج 6 / ص 476 – 1772) وفي (ج 15 / ص 496 – 4677) وفي (ج 15 / ص 498 – 4678) وصحيح مسلم – (ج 7 / ص 173 – 2485)

5 – سنن ابن ماجه – (ج 5 / ص 179 – 1661) ومسند أحمد – (ج 14 / ص 188 – 6650) تحقيق الألباني: صحيح.

6 نقلا عن كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني.. بتصرف.