أيشرب الدخان وهو يؤم الناس في الصلاة؟!

أيشرب الدخان وهو يؤم الناس في الصلاة؟!

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام على من بلغ رسالات ربه، وهدى الناس إلى الصراط  المستقيم، وعلى آله وصحبه. أما بعد:

فقد دلت الأدلة الشرعية على أن شرب الدخان من الأمور المحرمة شرعاً، وذلك لما اشتمل عليه من الخبث والأضرار الكثيرة، واللّه سبحانه لم يُبِح لعباده من المطاعم والمشارب إلا ما كان طيباً نافعاً، أما ما كان ضاراً لهم في دينهم أو دنياهم، أو مغيراً لعقولهم؛ فإن اللّه سبحانه قد حرمه عليهم، وهو – عزَّ وجلَّ – أرحم بهم من أنفسهم، وهو الحكيم العليم في أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره، فلا يحرم شيئاً عبثاً، ولا يخلق شيئاً باطلاً، ولا يأمر بشيء ليس للعباد فيه فائدة؛ لأنه سبحانه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وهو العالم بما يصلح العباد، وينفعهم في العاجل والآجل كما قال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (سورة الأنعام:83)، وقال – عز وجل -: {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا} (سورة النساء:11)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

ومن الدلائل القرآنية على تحريم شرب الدخان قوله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم في سورة المائدة: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (سورة المائدة:4)، وقال في سورة الأعراف في وصف نبينا محمد – عليه الصلاة والسلام -: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثََ} (سورة الأعراف:157).

فأوضح سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين أنه سبحانه لم يحل لعباده إلا الطيبات وهي: الأطعمة، والأشربة النافعة، أما الأطعمة والأشربة الضارة كالمسكرات، والمخدرات، وسائر الأطعمة والأشربة الضارة في الدين، أو البدن، أو العقل؛ فهي من الخبائث المحرمة، وقد أجمع الأطباء وغيرهم من العارفين بالدخان وأضراره أن الدخان من المشارب الضارة ضرراً كبيراً، وذكروا أنه سبب لكثير من الأمراض كالسرطان، وموت السكتة وغير ذلك، فما كان بهذه المثابة فلا شك في تحريمه، ووجوب الحذر منه، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يشربه فقد قال اللّه تعالى في كتابه المبين: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} (116) سورة الأنعام، وقال – عز وجل -: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (سورة الفرقان:44)1.

هل تصح الصلاة خلف شارب الدخان؟:

علمنا مما سبق أن شارب الدخان يعتبر عاصياً لله بفعله ذلك؛ لوضوح الأدلة وصراحتها، نعم لوضوحها وصراحتها؛ ذلك أن الدخان خبيث دون شك أو ريب؛ والله يقول: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} (سورة الأعراف:157)، فماذا بعد الحق إلا الضلال. لكن يبقى هنا سؤال يطرح نفسه وهو: ما حكم الصلاة خلف هذا العاصي الذي يشرب الدخان هل تصح الصلاة خلفه أم لا بد من الصلاة خلف غيره؟

فالجواب أن يقال: “لا ينبغي أن يُتَّخذ مثله إماماً، بل المشروع أن يُختار للإمامة الأخيار من المسلمين المعروفين بالدين، والاستقامة؛ لأن الإمامة شأنها عظيم، ولهذا قال النبي  : (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا)2، وفي الصحيحين عن النبي  أنه قال لمالك بن الحويرث وأصحابه: (وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)3. لكن اختلف العلماء – رحمهم اللّه – هل تصح إمامة العاصي والصلاة خلفه، فقال بعضهم: لا تصح الصلاة خلفه لضعف دينه، ونقص إيمانه، وقال آخرون من أهل العلم: تصح إمامته والصلاة خلفه؛ لأنه مسلم قد صحت صلاته في نفسه، فتصح صلاة من خلفه؛ ولأن كثيراً من الصحابة صلوا خلف بعض الأمراء المعروفين بالظلم، والفسق، ومنهم ابن عمر – رضي اللّه عنهما -، قد صلى خلف الحجاج وهو من أظلم الناس، وهذا هو القول الراجح وهو: صِحَّةُ إِمامته والصلاة خلفه، لكن لا ينبغي أن يُتخذ إماماً مع القدرة على إمامة غيره من أهل الخير والصلاح، وهذا جواب مختصرٌ أردنا منه التنبيه على أصل الحكم في هاتين المسألتين، وبيان بعض الأدلة على ذلك، وقد أوضح العلماء حكم هاتين المسألتين، فمن أراد بسط ذلك وجده، واللّه المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين، ويوفقهم جميعاً للاستقامة على دينه، والحذر مما يخالف شرعه إنه جواد كريم.

وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه”4.


1 حكم شرب الدخان وإمامة من يتجاهر به لـ(عبد العزيز بن عبد الله بن باز).

2 رواه مسلم -1078- (3/428).

3 رواه البخاري -5549- (18/423) ومسلم -1080- (3/430).

4 حكم شرب الدخان وإمامة من يتجاهر به لـ(عبد العزيز بن عبد الله بن باز).